20 يوليو 2026 التأسيس ضرورة تاريخية؟ ليست كل الحروب مجرد صراع على السلطة، وليست كل الثورات مشروعًا لبناء دولة. ففي أحيان كثيرة تكون الحرب نتيجةً لانهيار العقد الاجتماعي، وعلامةً على أن الدولة فقدت قدرتها على تمثيل مواطنيها، وإدارة تنوعهم، وتحقيق الحد الأدنى من العدالة. وعندما تصل الأزمة إلى هذه المرحلة، يصبح الحديث عن تغيير الحكومات قاصرًا، ويبرز سؤال أكثر عمقًا: هل يحتاج السودان إلى إصلاح الدولة، أم إلى إعادة تأسيسها؟ هذا السؤال ليس وليد الحرب الحالية، بل هو امتداد لمسار طويل بدأ منذ الاستقلال عام 1956. فقد ورث السودان مؤسسات دولة صُممت في ظل الإدارة الاستعمارية، ثم انتقلت إلى النخب الوطنية دون مراجعة حقيقية لطبيعة المجتمع السوداني وتنوعه.
وبمرور الوقت، تراكمت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بينما بقيت بنية الدولة المركزية على حالها، عاجزة عن استيعاب التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد. منذ الاستقلال، تعاقبت الحكومات المدنية والعسكرية، وتبدلت التحالفات والأيديولوجيات، لكن الأزمة الجوهرية بقيت كما هي: دولة ضعيفة في بناء المواطنة، قوية في احتكار السلطة. ولهذا لم تكن الحروب الأهلية أحداثًا منفصلة، بل كانت انعكاسًا لاختلال العلاقة بين المركز والأقاليم، وبين السلطة والمجتمع.
إن الدعوة إلى إعادة تأسيس الدولة لا تعني محو التاريخ أو هدم المؤسسات لمجرد الهدم، وإنما تعني إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها الدولة نفسها: كيف تُوزع السلطة؟ كيف تُدار الموارد؟ ما طبيعة العلاقة بين الجيش والسياسة؟ وما الذي يجعل المواطن يشعر بأن الدولة تمثله وتحمي حقوقه، لا أنها مجرد سلطة تفرض هيمنتها عليه؟ لكن إعادة التأسيس ليست شعارًا سياسيًا، بل عملية تاريخية معقدة تتطلب توافقًا وطنيًا واسعًا. فالدولة الجديدة لا تُبنى بقرارات فوقية، ولا تُفرض بقوة السلاح، وإنما تنشأ من عقد اجتماعي يعترف بالتعدد، ويؤسس للمواطنة المتساوية، ويجعل القانون المرجعية العليا للجميع. وهنا تظهر أهمية التمييز بين إعادة إنتاج السلطة وإعادة تأسيس الدولة. فقد تُستبدل النخب الحاكمة بأخرى، بينما تبقى المؤسسات والعلاقات السياسية والاقتصادية على حالها. عندئذٍ تتغير الوجوه، لكن الأزمة تستمر.
أما التأسيس الحقيقي، فيبدأ عندما تتغير قواعد الحكم نفسها، وتصبح الدولة ملكًا لجميع مواطنيها، لا أداةً بيد فئة أو جهة أو مركز. إن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تكون الحرب الحالية نهايةً لدورة طويلة من الأزمات، وبدايةً لبناء جمهورية جديدة تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون، وإما أن تتحول إلى محطة أخرى في سلسلة الصراعات التي أعاقت قيام الدولة الوطنية منذ الاستقلال. هذه السلسلة لا تنطلق من الدفاع عن طرف سياسي أو معارضة آخر، وإنما من محاولة الإجابة عن سؤال واحد: كيف يمكن للسودانيين أن ينتقلوا من إدارة الصراع إلى بناء الدولة؟ فهذا هو السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان أكثر من أي اتفاق سياسي أو انتصار عسكري.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة