8-7-درس حركة الحقوق المدنية الأمريكية- ولماذا يحتاج السودان إلى لحظته الدستورية كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-17-2026, 10:44 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-17-2026, 09:43 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 291

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
8-7-درس حركة الحقوق المدنية الأمريكية- ولماذا يحتاج السودان إلى لحظته الدستورية كتبه خالد كودي

    09:43 PM July, 17 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    17/7/2026 ، نيروبي

    الجزء السابع: السودان الجديد في ضوء التجارب المقارنة:
    لماذا يبدأ السلام في السودان بإعادة تأسيس الدولة لا بتقاسم السلطة؟
    تكشف التجارب المقارنة للدول التي خرجت من الحروب الأهلية، أو من أنظمة الفصل العنصري، أو من الفاشية والنازية، أو من الديكتاتوريات الطويلة، حقيقة أصبحت اليوم من أكثر النتائج رسوخاً في أدبيات بناء السلام، والدساتير المقارنة، والعدالة الانتقالية: فالسلام المستدام لا يتحقق بمجرد إسكات البنادق، وإنما بإعادة تأسيس الدولة التي أنتجت أسباب الحروب
    فلم تنجح أي تجربة تاريخية في بناء استقرار دائم عبر وقف إطلاق النار وحده، أو تشكيل حكومة انتقالية، أو توزيع السلطة بين الأطراف المتحاربة. فهذه الإجراءات قد توقف العنف لفترة، لكنها لا تزيل جذوره إذا بقيت الدولة محتفظة بالبنية الدستورية والسياسية والثقافية التي ولّدت التمييز، والإقصاء، واحتكار السلطة، وعدم المساواة. ولهذا كان التحول الحقيقي يبدأ عندما تعيد المجتمعات تعريف الدولة نفسها من خلال عقد دستوري جديد، وإصلاح مؤسساتها، وإعادة بناء قواعد المواطنة، وفي كثير من الحالات عبر برامج وطنية شاملة لإصلاح القضاء، وإعادة بناء الجيوش والأجهزة الأمنية من الاول، وإصلاح التعليم، والعدالة الانتقالية، وإعادة صياغة السردية الوطنية برمتها.
    ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه السودانيون ليس: أي دولة تشبه السودان؟ فلكل مجتمع تاريخه، وبنيته الاجتماعية، ومساره الخاص. وإنما السؤال الأهم في هذا الوقت هو: ما الذي تعلمه العالم من تجارب الانتقال من الحرب إلى السلام، ومن الدولة الإقصائية إلى الدولة الدستورية؟
    وعندما نتأمل تجارب ألمانيا بعد سقوط النازية، وجنوب أفريقيا بعد انهيار نظام الفصل العنصري، وإسبانيا بعد نهاية حكم فرانكو، والبوسنة والهرسك بعد اتفاق دايتون، وإثيوبيا بعد سقوط نظام منغستو، بل وحتى الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب الأهلية، نجد أن القاسم المشترك بينها لم يكن شكل الحكومات التي تشكلت، ولا طبيعة التحالفات السياسية التي حكمت المرحلة الانتقالية، وإنما إعادة تأسيس الدولة على مبادئ دستورية جديدة عالجت، بدرجات متفاوتة، الأسباب البنيوية للصراع، وحددت حدود السلطة، وأعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس أكثر عدالة ومساواة.
    ومن هذا المنظور، لا يمثل مشروع السودان الجديد خروجاً على التجارب المقارنة، ولا استثناءً سودانياً، كما يحاول بعض خصومه تصويره، بل يندرج ضمن تقليد دستوري عالمي تبلور عبر أكثر من قرن من تجارب الشعوب التي أدركت أن السلام لا يصنعه تقاسم السلطة، وإنما تصنعه إعادة تأسيس الدولة على مبادئ دستورية تمنع عودة أسباب الحرب، وتحول المواطنة، والعدالة، وسيادة القانون، من شعارات سياسية إلى قواعد ملزمة لا تستطيع أي سلطة مستقبلية الالتفاف عليها.

    ماذا تعلمنا جنوب أفريقيا؟ ولماذا يحتاج السودان إلى العدالة التاريخية؟
    تكمن أهمية تجربة جنوب أفريقيا بالنسبة للسودان في أنها تكشف الفرق بين إسقاط نظام سياسي وتفكيك البنية التاريخية التي أنتجته. فقد نجحت جنوب أفريقيا في إنهاء نظام الفصل العنصري دستورياً، وأقرت دستوراً من أكثر دساتير العالم تقدماً، وأنشأت لجنة الحقيقة والمصالحة برئاسة المطران ديزموند توتو، التي أصبحت نموذجاً عالمياً للعدالة الانتقالية.
    وقد حققت اللجنة إنجازات مهمة؛ إذ كشفت الحقيقة، ووثقت الانتهاكات، وأتاحت الاعتراف بالضحايا، وأسهمت في تجنب حرب أهلية جديدة، ورسخت المصالحة الوطنية. غير أن التجربة كشفت أيضاً حدود العدالة الانتقالية عندما لا تقترن بعدالة تاريخية. فرغم التحول الدستوري، بقيت أنماط ملكية الأرض، والثروة، ورأس المال، والقوة الاقتصادية، إلى حد كبير، امتداداً للبنية التي أنتجها نظام الفصل العنصري، وهو ما يفسر استمرار مستويات مرتفعة من عدم المساواة حتى اليوم.
    وهنا يظهر الفرق الجوهري بين العدالة الانتقالية والعدالة التاريخية.
    فالعدالة الانتقالية تعالج إرث الانتهاكات عبر كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح، والمصالحة. أما العدالة التاريخية فتنطلق من سؤال أعمق: ما الذي أنتج هذه الانتهاكات أصلاً؟ فهي لا تكتفي بمحاسبة مرتكبي الجرائم، بل تسعى إلى تفكيك البنية التي احتكرت السلطة، والأرض، والثروة، والهوية، والفرص، وأعادت إنتاج التهميش عبر الأجيال.
    ولهذا فإن العدالة التاريخية لا تلغي العدالة الانتقالية، بل تحتويها، تتجاوزها وتمنحها معناها الكامل. فهي تضيف إلى المساءلة القانونية إصلاحاً بنيوياً يعيد توزيع السلطة والموارد، ويعيد تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم، ويعالج المظالم التاريخية التي راكمتها الدولة.
    ومن هذه الزاوية، يمكن فهم أحد أوجه القصور في الرؤي وفي الخطاب السياسي السوداني. فمعظم أحزاب النخب تتبنى خطاب العدالة الانتقالية، لأنها تتحدث عن لجان التحقيق، والمحاسبة، والتعويضات، والإصلاح المؤسسي. لكنها تتحاشى الالتزام بالعدالة التاريخية، لأنها تطرح أسئلة تمس جوهر الدولة نفسها: من يملك الأرض؟ ومن يسيطر على الاقتصاد؟ وكيف توزع السلطة والثروة؟ وكيف تعاد صياغة الدولة بحيث لا تعيد إنتاج الامتيازات التاريخية؟
    وهذا التردد ليس مسألة قانونية، بل بنيوية. فالعدالة الانتقالية يمكن أن تتحقق من دون المساس بالنظام التاريخي لتوزيع القوة، أما العدالة التاريخية فتقتضي إعادة النظر في ذلك النظام نفسه، وهو ما يجعلها أكثر كلفة على النخب التي تشكلت داخل الدولة القديمة واستفادت من بنيتها.
    وهنا تكمن خصوصية مشروع السودان الجديد. فهو لا ينظر إلى العدالة الانتقالية بوصفها غاية، بل باعتبارها خطوة داخل مشروع أشمل هو العدالة التاريخية. فبناء السلام لا يكتمل بمحاسبة الجناة وحدها، وإنما يقتضي إزالة الشروط البنيوية التي جعلت التهميش، والحرب، والاستعمار الداخلي قابلة لإعادة الإنتاج.
    وهذا هو الدرس الذي تقدمه جنوب أفريقيا للسودان: إن إنهاء الحرب، أو حتى النجاح في تحقيق العدالة الانتقالية، لا يكفي إذا بقيت بنية السلطة، وملكية الأرض، وتوزيع الثروة، وتعريف الهوية الوطنية على حالها. فالسلام المستدام يبدأ عندما تنتقل الدولة من إدارة نتائج الظلم إلى إزالة أسبابه، ومن العدالة الانتقالية إلى العدالة التاريخية بوصفها الأساس الدستوري لإعادة تأسيس الدولة.

    إسبانيا بعد فرانكو: من إنهاء الديكتاتورية إلى إعادة تأسيس الدولة:
    تقدم إسبانيا واحدة من أهم دروس الانتقال السياسي في العالم. فبعد وفاة الجنرال فرانسيسكو فرانكو عام 1975، لم يكن التحدي مجرد استبدال نظام سلطوي بحكومة منتخبة، بل إعادة بناء دولة خرجت من أربعة عقود من الديكتاتورية، والقمع، والمركزية الشديدة، وإنكار التعدد السياسي والثقافي والإقليمي.
    ولهذا أدركت النخب الإسبانية أن الديمقراطية لا تُبنى بالانتخابات وحدها، وإنما بعقد دستوري جديد. فجاء دستور 1978 ليعيد تعريف الدولة الإسبانية على أسس مختلفة، فأرسى الديمقراطية البرلمانية، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وضمان الحقوق والحريات الأساسية، واعترف بالتعدد اللغوي والثقافي، وأقام نظام دولة الأقاليم الذي منح حكماً ذاتياً واسعاً لمجتمعات مثل كاتالونيا، وإقليم الباسك، وغاليسيا، بما أعاد تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم داخل إطار الدولة الواحدة.
    ولم يقتصر التحول على النصوص الدستورية، بل رافقته عملية انتقال وإعادة بناء مؤسسية شملت تحديث الإدارة العامة، وإعادة تنظيم القوات المسلحة تحت السلطة المدنية، وإعادة بناء المؤسسات الديمقراطية، ودمج إسبانيا في المنظومة الأوروبية، بما وفر ضمانات إضافية لاستقرار النظام الدستوري الجديد.
    ورغم أن التجربة الإسبانية لم تُحل جميع القضايا، ولا تزال بعض النزاعات الإقليمية قائمة حتى اليوم، فإن نجاحها الأساسي تمثل في نقل الصراع من ساحة العنف والانقلابات إلى ساحة الدستور والمؤسسات الديمقراطية.
    والدرس الذي تقدمه إسبانيا للسودان واضح: إن سقوط وإنهاء النظام القديم لا يكفي، لأن الحكومات تتغير، أما الدولة فلا تتغير إلا عندما يُعاد تأسيسها دستورياً، وتُعاد صياغة العلاقة بين السلطة، والمواطنة، والأقاليم، والمؤسسات على أسس جديدة تمنع عودة الاستبداد وتفتح المجال لإدارة التنوع داخل دولة واحدة.

    البوسنة والهرسك: عندما يوقف تقاسم السلطة الحرب... لكنه لا يبني الدولة:
    تقدم البوسنة والهرسك واحداً من أهم الدروس التي ينبغي أن يتأملها السودان وهو يقف اليوم أمام مبادرات إقليمية ودولية متعددة لإنهاء الحرب.
    فقد نجحت اتفاقية دايتون عام 1995 في وقف واحدة من أكثر الحروب دموية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وأنقذت البلاد من مزيد من القتل والدمار. وكان ذلك إنجازاً تاريخياً لا يمكن التقليل من أهميته.
    غير أن الاتفاقية انطلقت، في جوهرها، من منطق إدارة الصراع أكثر من منطق إعادة تأسيس الدولة. فقد ركزت على كيفية تقاسم السلطة بين المكونات القومية الثلاث: البوشناق، والصرب، والكروات، أكثر من تركيزها على بناء هوية دستورية ومؤسسات وطنية تتجاوز الانقسامات التي صنعت الحرب.
    وقد نجحت هذه الصيغة في وقف القتال، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء دولة فعالة. فبعد ما يقارب ثلاثة عقود، لا تزال البوسنة تعاني من تعقيد دستوري ومؤسسي كبير، وضعف في مؤسسات الدولة، واستمرار الاستقطاب القومي، وتحول كثير من مؤسسات الحكم إلى انعكاس للانقسام الذي كان يفترض أن تتجاوزه.
    ولهذا أصبحت البوسنة، في أدبيات بناء السلام، مثالاً مهماً على أن تقاسم السلطة قد يوقف الحرب، لكنه لا يكفي لبناء الدولة. فحين تُبنى التسوية على موازين القوى بين النخب، أكثر من بنائها على مبادئ دستورية جامعة، فإن الدولة قد تنجو من الحرب، لكنها تظل أسيرة أسبابها. وهذا هو الدرس الذي ينبغي ألا يغيب عن السودان في اللحظة الراهنة. فالمبادرات الإقليمية والدولية تركز، بحكم طبيعتها، على وقف الحرب، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، وإطلاق عملية سياسية انتقالية. وهذه أهداف عاجلة ومشروعة، لكنها لا تكفي وحدها لبناء سلام مستدام.
    الإشكالية تكمن في أن قطاعات من النخب السياسية السودانية تتعامل مع هذا التركيز الدولي على القضايا الآنية بوصفه فرصة لتمرير رؤى محافظة تُبقي على بنية الدولة القديمة، من خلال تأجيل القضايا التأسيسية بدعوى أن الوقت غير مناسب لمناقشتها. وهكذا يُختزل مستقبل السودان في ترتيبات انتقالية وتقاسم للسلطة، بينما تُرحَّل الأسئلة التي كانت، تاريخياً، سبب اندلاع الحروب: طبيعة الدولة، والمواطنة، والعلاقة بين الدين والدولة، والعدالة التاريخية، واللامركزية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية.
    ولو نجحت هذه المقاربة، فإن السودان لن يكون بصدد تأسيس دولة جديدة، بل إعادة تشغيل الدولة القديمة بوجوه جديدة. وعندها لن يكون السلام سوى هدنة سياسية مؤقتة، لأن البنية التي أنتجت التهميش والاستعمار الداخلي ستظل قائمة، تنتظر لحظة أخرى لإعادة إنتاج الصراع. ولذلك فإن نجاح أي مبادرة لا ينبغي أن يقاس بقدرتها على وقف الحرب وحده، بل بقدرتها على فتح الطريق أمام إعادة تأسيس الدولة على مبادئ دستورية تمنع عودة الحرب من جديد.

    ألمانيا وإيطاليا: لا يكفي إسقاط النظام... بل يجب تفكيك الثقافة التي أنتجته:
    لعل التجربتين الألمانية والإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية تقدمان درسا من أهم الدروس التي يحتاجها السودان اليوم. فهزيمة النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا لم تُفهم باعتبارها مجرد سقوط حكومتين أو تغيير نخب سياسية، وإنما باعتبارها انهيار منظومتين كاملتين من الأفكار، والمؤسسات، والثقافة، والتعليم، والإعلام، والعسكرة، والقانون. ولذلك لم يكن الهدف هو استبدال الحكام، بل تفكيك الدولة الأيديولوجية التي صنعت الاستبداد والحرب.
    (Denazification) في ألمانيا، أطلقت سلطات الحلفاء برنامج اجتثاث النازية
    وهو واحد من أوسع برامج إعادة بناء الدولة في التاريخ الحديث. فلم يقتصر على محاكمة كبار القادة في محاكمات نورمبرغ، بل امتد إلى تطهير مؤسسات الدولة، والجيش، والقضاء، والشرطة، والجامعات، والإدارة العامة، والإعلام، من القيادات المرتبطة بالمشروع النازي. كما أعيدت كتابة المناهج الدراسية، وأُعيد بناء الثقافة السياسية على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأُنشئت برامج واسعة للتثقيف المدني، وأصبح الاعتراف بجرائم النازية ومواجهتها جزءاً من الهوية الديمقراطية الألمانية الجديدة. ولم تُترك الفنون والأدب خارج هذه العملية؛ بل شُجعت السينما، والمسرح، والآداب، والمتاحف، والنصب (Erinnerungskultur) التذكارية، على مواجهة الماضي لا إنكاره، حتى أصبح مفهوم ثقافة التذكر
    ركناً أساسياً في التربية الوطنية الألمانية.
    كانت اقل شمولا من التجربة الألمانية، (Defascistizzazione) وفي إيطاليا، ورغم أن عملية اجتثاث الفاشية
    فإن الدولة الجديدة قامت هي الأخرى على قطيعة دستورية مع النظام الفاشي. فجاء دستور 1948 ليؤسس لدولة ديمقراطية، ويمنع إعادة تأسيس الحزب الفاشي، ويخضع القوات المسلحة للسلطة المدنية، ويعيد بناء التعليم والإدارة العامة على قيم الجمهورية والديمقراطية. كما لعبت الأحزاب الديمقراطية، والحركة النقابية، والجامعات، والمثقفون، والسينما الإيطالية، دوراً محورياً في تفكيك الثقافة السلطوية التي غذت الفاشية لعقود.
    وتكشف هاتان التجربتان أن أخطر ما في الأنظمة الشمولية ليس الأشخاص الذين يحكمون، بل الثقافة التي تجعل الاستبداد يبدو طبيعياً، والعنف مشروعاً، والطاعة فضيلة، والإقصاء ضرورة، وطنية. ولذلك لم يكن التغيير الحقيقي اقتصادياً أو سياسياً فحسب، بل كان مشروعاً لإعادة بناء الوعي الجمعي، وإصلاح التعليم، وإعادة تعريف الوطنية، وإخضاع المؤسسة العسكرية والأمنية للدستور، وترسيخ ثقافة دستورية جديدة. ومن هذا المنظور، تكشف تجربة لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة في السودان، رغم أهميتها في تفكيك بعض شبكات الفساد واسترداد جزء من المال العام، حدود المعالجة الجزئية. فقد انصب اهتمامها على الجانب الاقتصادي والإداري، بينما بقيت البنية التي أنتجت الفساد خارج دائرة الإصلاح: الجيش، والأجهزة الأمنية، والقضاء، والتعليم، والإعلام، والخدمة المدنية، والثقافة السياسية التي شرعنت الاستبداد والتمييز والحرب.
    ولهذا لم تكن أزمة السودان أزمة فساد مالي فحسب، بل أزمة دولة. فالفساد كان عرضاً لمنظومة أعمق قامت على احتكار السلطة، وتسييس المؤسسة العسكرية، وتوظيف الدين، واحتكار تعريف الهوية الوطنية، وإقصاء قطاعات واسعة من السودانيين من المواطنة المتساوية. ومن دون تفكيك هذه البنية، يمكن أن تتغير الوجوه، لكن الدولة ستستمر في إعادة إنتاج الأزمات نفسها.
    وهذا هو الدرس الذي تقدمه تجارب التحول الكبرى. فإعادة البناء لا تبدأ بإزالة التمكين الاقتصادي وحدها، بل بإعادة تأسيس الدولة على مبادئ فوق دستورية تعيد بناء قوات مسلحة وأجهزة أمنية جديدة، وتصلح القضاء والخدمة المدنية، وتراجع التعليم والإعلام، وتؤسس للمواطنة المتساوية والعدالة التاريخية. فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة الاستبدادية لا تنتهي بسقوط حكوماتها، بل بتفكيك المؤسسات والثقافة التي صنعتها. ومن هنا تنبع القيمة الاستراتيجية لمشروع السودان الجديد؛ فهو لا يستهدف تغيير السلطة، بل تغيير قواعد الدولة التي أعادت إنتاج الاستبداد، والفساد، والحرب منذ الاستقلال.

    تجربة اعادة الإعمار الأمريكية: لماذا تقاوم النخب دائماً إعادة تأسيس الدولة؟
    (Reconstruction) تكشف تجربة إعادة الإعمار الأمريكية
    بعد الحرب الأهلية واحدة من أهم قواعد التحول السياسي في التاريخ: فكل مشروع يسعى إلى إعادة توزيع السلطة أو الثروة أو المواطنة يواجه مقاومة شرسة من النخب التي تشكلت داخل النظام القديم.
    فبعد انتصار الاتحاد وإلغاء الرق في امريكا بالتعديل الثالث عشر للدستور عام 1865، أدركت القيادة الأمريكية أن التحرير القانوني لا يكفي، لأن الحرية من دون تعليم، أو حماية قانونية، أو استقلال اقتصادي، يمكن أن تتحول إلى شكل جديد من الذي لم يكن مجرد مؤسسة للإغاثة، ( Freedmen’s Bureau) التبعية. ولهذا أنشأ الكونغرس مكتب المحررين
    بل أول برنامج اتحادي لإعادة بناء مجتمع خرج من العبودية. فقد أنشأ المدارس، وقدم الرعاية الصحية، وحمى الحقوق القانونية، وأشرف على عقود العمل، وساعد في دمج ملايين الأمريكيين الأفارقة في الحياة العامة.
    لكن أكثر قضايا إعادة الإعمار حساسية كانت ملكية الأرض.
    من إدراك ان المواطنة لا تستقر اذا بقيت الارضForty Acres and a Muleفقد انطلقت مبادرة "أربعون فداناً وبغل"
    والثروة في يد الطبقة التي بنت نظام الرق. غير أن هذا المشروع اصطدم سريعاً بمقاومة النخب المالكة للأرض والثروة، التي أدركت أن إعادة توزيع الموارد تعني نهاية الامتيازات التي راكمها نظام الرق. وبعد اغتيال الرئيس أبراهام لينكولن، أعاد الرئيس أندرو جونسون معظم الأراضي إلى أصحابها البيض السابقين، لتبدأ ثورة مضادة أفرغت مشروع إعادة الإعمار من أحد أهم مضامينه.
    ولم تقتصر هذه الثورة المضادة على استعادة الأراضي، بل استخدمت القانون، والقضاء، والإدارة، والإعلام، والعنف المنظم (Black Codes) لإعادة إنتاج النظام القديم في صورة جديدة. فظهرت القوانين السوداء
    ( Ku Klux Klan ) ونشطت منظمات إرهابية مثل كو كلوكس كلان
    وانتهت مرحلة إعادة الإعمار عام 1877 لتبدأ حقبة قوانين جيم كرو التي كرست الفصل العنصري لما يقارب قرناً آخر. لقد انتصرت الحرب عسكرياً، لكن الدولة والمجتمع لم يواجها، في ذلك الوقت، مواجهة جذرية إرث الرق وآثاره البنيوية؛ فبقيت الثقافة التي شرعنته، والامتيازات التي أنتجها، والصور النمطية التي رسخها، حية داخل المؤسسات والوعي العام. ولهذا احتاجت الولايات المتحدة إلى قرابة مائة عام، وإلى نضال حركة الحقوق المدنية، حتى تُجبر الدولة على تنفيذ التعديلات الدستورية الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة من خلال قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون حقوق التصويت لعام 1965
    وتقدم هذه التجربة درساً بالغ الأهمية للسودان. فالسودان، هو الآخر، لم يواجه مواجهة وطنية شجاعة تاريخه الطويل مع الرق، وتجارة الرقيق، والاسترقاق الداخلي، وآثارها الاجتماعية ،والثقافية والسياسية. ولم يخضع هذا الإرث لمراجعة دستورية أو تعليمية أو ثقافية شاملة، بل ظل، في كثير من الأحيان، موضوعاً مسكوتاً عنه أو منكراً أو مختزلاً، بينما استمرت بعض أنماط التراتبية الاجتماعية، والتمييز، والصور النمطية، وخطابات التفوق والدونية، في إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة داخل الدولة والمجتمع.
    ولهذا ليس من قبيل المصادفة أن يتصاعد اليوم خطاب الكراهية ضد المطالبين بالعدالة التاريخية، وأن يُوصموا بالعنصرية أو الجهوية أو تهديد الوحدة الوطنية، بدلاً من مناقشة المظالم التاريخية التي يدعون إلى معالجتها. فكما استخدمت الثورة المضادة في الولايات المتحدة خطاب "حماية الوحدة" و"استعادة النظام" لتبرير إجهاض إعادة الإعمار، تُستخدم في السودان لغة "التوافق" و"تأجيل القضايا الخلافية" و"رفض الجهوية" لتجنب مواجهة الأسئلة التأسيسية المتعلقة بتاريخ الرق، والاستعمار الداخلي، والتمييز، وتوزيع السلطة، والثروة. إن إنكار التاريخ لا يلغيه، بل يسمح له بالاستمرار في تشكيل الحاضر، ولذلك فإن أي مشروع لبناء سلام مستدام في السودان لا بد أن يبدأ بالاعتراف بهذا الإرث، ومعالجته ضمن مشروع للعدالة التاريخية، لا بالاكتفاء بإدارة نتائجه.

    اخيرا: السودان بين إدارة الأزمة وإعادة تأسيس الدولة
    إذا كان ثمة درس واحد يجمع تجارب الولايات المتحدة، وجنوب أفريقيا، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، والبوسنة، فهو أن السلام المستدام لا يتحقق بتقاسم السلطة، وإنما بإعادة تأسيس الدولة على مبادئ دستورية تحمي المجتمع من عودة أسباب الصراع. فقد اختلفت هذه التجارب في ظروفها التاريخية، لكنها التقت عند حقيقة واحدة: الدول لا تتغير بتبديل الحكومات، بل بتغيير القواعد الدستورية والمؤسسية التي تحكمها.
    ومن هنا تكمن المعضلة السودانية. فمنذ الاستقلال، انطلقت معظم المبادرات من سؤال: كيف نتقاسم السلطة؟ بينما ظل السؤال الأكثر جوهرية مؤجلاً: كيف نبني دولة لا تعيد إنتاج الحرب؟ ولذلك انشغلت الاتفاقيات بالحكومات الانتقالية، وتقاسم المناصب، والترتيبات الأمنية، أكثر من انشغالها بحسم القضايا المؤسسة للدولة: طبيعة الدولة، وعلاقة الدين بها، والمواطنة المتساوية، والعدالة التاريخية، وتوزيع السلطة والثروة، وإعادة بناء الجيش، وإدارة التنوع، والضمانات الدستورية التي تنهي الاستعمار الداخلي. ولهذا لم يكن تعثر اتفاقيات السلام فشلاً في التنفيذ وحده، بل فشلاً في تعريف الأزمة ومعالجة بنيتها.
    ويؤكد التاريخ أن الحقوق التي لا تحرسها ضمانات دستورية تبقى عرضة للانتزاع. فقد ألغت الولايات المتحدة الرق، لكنها أخفقت في حماية مكتسبات إعادة الإعمار، فعادت البنية القديمة بأشكال جديدة حتى فرضت حركة الحقوق المدنية، بعد قرابة قرن، تنفيذ المبادئ الدستورية. كما كشفت جنوب أفريقيا أن العدالة الانتقالية وحدها لا تكفي إذا لم تستكمل بعدالة تاريخية، وأثبتت البوسنة أن تقاسم السلطة قد يوقف الحرب، لكنه لا يبني دولة مستقرة، بينما نجحت ألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا عندما ربطت الانتقال بإعادة تأسيس الدولة ومؤسساتها وثقافتها على أسس دستورية جديدة.
    وفي هذا السياق، لا يقدم مشروع السودان الجديد صيغة لتقاسم السلطة، بل مشروعاً لإعادة تأسيس الدولة على المبادئ فوق الدستورية: العلمانية، والمواطنة المتساوية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، والجيش القومي المهني الجديد، والأجهزة الأمنية الدستورية، وحق تقرير المصير بوصفه ضمانة ضد الاستعمار الداخلي. فهذه ليست مطالب مرحلية، ولا برنامجاً لحركة سياسية بعينها، بل ضمانات دستورية تمنع أي سلطة مستقبلية من إعادة إنتاج التمييز والاستبداد والحرب.
    ولذلك فإن السؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس: من سيحكم بعد الحرب؟ بل: ما هي المبادئ التي تجعل الدولة السودانية، لأول مرة في تاريخها الحديث، دولة لجميع مواطنيها؟
    وهنا يصل المقال إلى سؤاله الأخير والأكثر عمقاً: إذا كانت التجارب العالمية تؤكد أن العدالة التي تبدأ دفاعاً عن جماعة مضطهدة تتحول، في نهاية المطاف، إلى مصلحة عامة يستفيد منها المجتمع بأسره، فما الذي يمكن أن يتعلمه السودان من هذه القاعدة التاريخية؟ وهل يمكن أن تصبح المبادئ التي تواجه اليوم بالرفض أو التأجيل أو التشويه هي نفسها الضمانات الدستورية التي ستحمي جميع السودانيين في المستقبل؟
    هذا هو السؤال الذي سيتناوله الجزء الثامن والأخير، خاتمة هذه الدراسة.
     
    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de