«التاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، بل يكتبه أيضًا ما بقي صامتًا في الوثائق، وما أخفته الروايات المتنافسة.»
مُقَدِّمَة لَمْ تَكُنِ الزَّبَالِعَةُ يَوْمًا جَمَاعَةً عَادِيَّةً فِي التَّارِيخِ السُّودَانِيِّ، بَلْ ظَلَّتْ إِحْدَى أَكْثَرِ الْحَرَكَاتِ الصُّوفِيَّةِ غُمُوضًا وَإِثَارَةً لِلجَدَلِ. فَمِنْذُ ظُهُورِ اسْمِهَا فِي الْمَصَادِرِ، تَنَازَعَتْهَا الرِّوَايَاتُ بَيْنَ مَنْ يَعُدُّهَا طَرِيقَةً رُوحِيَّةً، وَمَنْ يَرَى أَنَّهَا امْتِدَادٌ لِسِلْسِلَةٍ شَرِيفَةٍ قَادِمَةٍ مِنَ الْحِجَازِ، وَمَنْ رَبَطَهَا بِصِرَاعَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ فِي السُّودَانِ. وبين هذه الروايات، يبرز سؤالٌ لم يحظَ بما يكفي من البحث: هل تقودنا طرق الهجرة عبر البحر الأحمر، من الحجاز إلى دهلك وزيلع وسواكن، إلى فهمٍ جديدٍ لأصل الزبالعة؟ أَوَّلًا: الزَّبَالِعَةُ... طَرِيقَةٌ أَمْ قَبِيلَةٌ؟ تكاد تجمع الدراسات الحديثة على أن الزبالعة لم يكونوا قبيلةً بالمعنى التقليدي، بل طريقةً دينيةً ذات طابع صوفي تشكَّلت حول شخصية أبكر بن محمود الغريب، الذي تنقل الروايات أنه ينحدر من أصلٍ عربيٍّ شريفٍ مكي، قبل أن تنتشر الطريقة على يد آدم بن عبد الله (أبو جريد) في أواسط السودان، ولا سيما بين بطون كنانة والبليلاب. وتذهب الباحثةد. محاسن زين العابدين عبد الله إلى أن كثيرًا من الاتهامات التي وُجِّهت إلى الزبالعة جاءت في إطار الصراع بين الطرق الصوفية، أكثر من كونها وصفًا موضوعيًا لعقائدهم.
«إنَّ المصادر التي تناولت الزبالعة قليلة، وأكثرها كتبها خصومهم، وهو ما يفرض إعادة قراءة تاريخهم قراءةً نقدية.» — محاسن زين العابدين عبد الله، الإسلام الباطني: حركة الزبالعة.
ثَانِيًا: مَحْمُودُ الْغَرِيبِ... الرَّجُلُ الَّذِي يَخْتَبِئُ وَرَاءَ التَّارِيخِ إذا كان أبكر بن محمود الغريب هو مؤسس الطريقة، فإن السؤال الحقيقي ليس عنه، بل عن والده محمود الغريب. فالروايات تكتفي بوصفه بأنه «من أشراف مكة»، لكنها لا تقدم سلسلة نسب مكتملة تصل إلى العباس بن عبد المطلب أو إلى الحسن أو الحسين رضي الله عنهم. وهنا يفرِّق المؤرخون بين:
دعوى النسب الشريف.
إثبات النسب بوثائق أو مشجرات معتمدة.
وهذا التفريق منهجيٌّ لا غنى عنه؛ إذ إن كثيرًا من البيوتات الصوفية في العالم الإسلامي نسبت نفسها إلى آل البيت طلبًا للمكانة الروحية والاجتماعية، دون أن تتوافر دائمًا وثائق تثبت ذلك. ثَالِثًا: الْبَحْرُ الْأَحْمَرُ... طَرِيقُ الْأَشْرَافِ وَالْعُلَمَاءِ لم يكن البحر الأحمر مجرد ممرٍّ للتجارة، بل كان شريانًا حضاريًا يربط الحجاز واليمن بشرق إفريقيا والسودان. فمن خلال موانئ:
سواكن،
دهلك،
زيلع،
مصوع،
انتقلت قوافل الحجاج والعلماء والمتصوفة والأسر العربية. ومن هنا يطرح عدد من الباحثين فرضيةً تستحق الدراسة، مفادها أن أسرة محمود الغريب ربما دخلت السودان عبر هذا المسار البحري، وإن كانت هذه الفرضية لا تزال تفتقر إلى وثيقة تاريخية حاسمة. رَابِعًا: دَهْلَكُ... الْجَزِيرَةُ الَّتِي أَغْفَلَهَا الْمُؤَرِّخُونَ تمثل جزيرة دهلك إحدى أهم المحطات في تاريخ البحر الأحمر الإسلامي. فقد استخدمها الأمويون ثم العباسيون منفىً للمعارضين السياسيين، كما تحولت إلى مركز تجاري وثقافي مهم يربط الجزيرة العربية بشرق إفريقيا. ويشير عدد من الدراسات الحديثة إلى أن دهلك لم تكن مجرد ميناء، بل كانت محطةً لعبور العلماء والأسر الشريفة، وهو ما يجعلها حلقةً تستحق الدراسة عند البحث في أصول الجماعات الدينية الوافدة إلى السودان. غير أن المصادر المتاحة لا تقدم دليلاً يربط الزبالعة مباشرةً بدهلك، وإنما تفتح الباب أمام فرضية تاريخية قابلة للبحث. خَامِسًا: الْبُلُو وَالْحَدَارِبَةُ... هَلْ ثَمَّةَ صِلَةٌ؟ يورد المؤرخ محمد صالح ضرار في كتابه تاريخ قبائل الحباب والحماسين بالسودان وإرتريا رواياتٍ تجعل البلو من القوى القديمة في شرق السودان، كما يعرض تاريخ الحداربة والحباب والأرتيقة، بوصفهم جزءًا من شبكة سياسية واجتماعية واسعة امتدت على ساحل البحر الأحمر. وتكشف هذه الروايات عن وجود تداخلٍ بين:
البيوتات الشريفة،
والزعامات المحلية،
والقبائل العربية،
والبجة.
غير أنَّ أيًّا من هذه المصادر لا يثبت أن الزبالعة فرعٌ من البلو، أو أن بين الطرفين سلسلة نسبٍ متصلة، وهو ما يفرض التعامل مع هذه الفرضية بوصفها احتمالًا بحثيًا، لا حقيقةً تاريخية. سَادِسًا: هَلْ وَصَلَ الصِّرَاعُ الأُمَوِيُّ الْعَبَّاسِيُّ إِلَى السُّودَانِ؟ قد يبدو السؤال صادمًا، لكنه مشروعٌ من الناحية البحثية. فالروايات السودانية تنسب بعض السلالات الحاكمة، ومنها روايات عن الفونج، إلى أصولٍ أموية، بينما تنسب جماعات أخرى نفسها إلى آل البيت أو إلى العباسيين. لكن المؤرخين يفرِّقون بين:
انتقال الحرب العسكرية بين الأمويين والعباسيين.
وانتقال رمزية النسب والشرعية السياسية.
فالراجح تاريخيًا أن السودان لم يشهد امتدادًا للحرب الأموية العباسية، لكنه عرف تنافسًا في الشرعية النسبية، حيث أصبح الانتساب إلى بيتٍ قرشي وسيلةً لاكتساب المكانة الدينية والسياسية. سَابِعًا: الْحَلَقَةُ الْمَفْقُودَةُ بعد مراجعة الروايات والمصادر، تبقى الحلقة الحاسمة غائبة: من هو محمود الغريب؟ هل كان:
شريفًا قدم مباشرةً من مكة؟
أم عبر سواكن؟
أم مرَّ بدهلك؟
أم دخل السودان عبر زيلع؟
حتى اليوم لا توجد وثيقة منشورة تجيب عن هذا السؤال بصورةٍ قاطعة. خَاتِمَة ليس تاريخ الزبالعة مجرد بحثٍ في نسب جماعةٍ صوفية، بل هو مدخلٌ إلى تاريخ البحر الأحمر، والهجرات العربية، وشبكات الأشراف، وصراع الشرعية في السودان. وتقودنا المعطيات المتوافرة إلى نتيجةٍ متوازنة:
توجد روايةٌ معتبرة عن أصلٍ شريفٍ مكي للزبالعة.
ولا يوجد دليلٌ منشور يربطهم مباشرةً بالبلو أو بمملكة الدجن أو بجزيرة دهلك.
غير أنَّ البيئة التاريخية للهجرات عبر البحر الأحمر تجعل هذا الاحتمال جديرًا بالبحث، لا بالجزم.
ويبقى الكشف عن مشجرة نسبٍ قديمة، أو وثيقة وقف، أو سجل قضائي، أو نقشٍ أثري، هو السبيل الوحيد لحسم هذا الملف الذي ظل مفتوحًا لقرون. المراجع
محاسن زين العابدين عبد الله، الإسلام الباطني: حركة الزبالعة.
محمد صالح ضرار، تاريخ قبائل الحباب والحماسين بالسودان وإرتريا.
يوسف فضل حسن، تاريخ السودان الحديث.
ابن فضل الله العمري، التعريف بالمصطلح الشريف.
R. S. O'Fahey, State and Society in Dar Fur.
Jay Spaulding, The Heroic Age in Sinnar.
S. Hillelson, Sudan Arabic Texts.
Richard Pankhurst, The Ethiopian Borderlands (فيما يتعلق بطرق البحر الأحمر ودهلك وزيلع).
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة