في الأزمنة الطبيعية تُقام المحاكم لتنتصر للعدالة، أما في الأزمنة المختلة فتُقام العدالة لتنتصر للسياسة. وبين الزمنين يقف الشعب السوداني اليوم، شاهداً على واحدة من أكثر المفارقات والتفاهات إثارة للسخرية؛ إذ بينما تتطاير الأرواح كل يوم، وتُدفن المدن تحت ركام الحرب، وتتعالى الأصوات المطالبة بوقف إطلاق النار وفتح نافذة للسلام، قررت سلطة الفساد والافساد أن تفتتح موسماً جديداً من العروض القضائية، وأن تقدم للجمهور محاكمة غيابية، يعلم الجميع منذ اللحظة الأولى أن أبطالها لن يحضروا، وأن حكمها لن يُنفذ، وأن نتيجتها السياسية أهم بكثير من قيمتها القانونية.
لقد صدر الحكم... وانتهى العرض... وأُسدل الستار. أما الحرب فما تزال مستمرة، والدم ما يزال يسيل، والنازحون ما يزالون يزدادون، والسلام ما يزال مؤجلاً إلى إشعار آخر. ليس المقصود هنا الدفاع عن أحد، ولا تبرئة أحد من مسؤولية الجرائم التي ارتُكبت في السودان، ولا التقليل من بشاعة مقتل والي غرب دارفور خميس عبد الله أبكر، وما أعقبها من فظائع هزّت الضمير الإنساني. فهذه جرائم تستحق تحقيقاً مستقلاً وعدالةً نزيهة لا يشوبها شك. لكن العدالة شيء، واستغلال القضاء في إدارة المعركة السياسية شيء آخر تماماً.
أي عدالة هذه التي تصدر حكماً بالإعدام على غائب في بلد منقسم، بينما نصف مؤسسات الدولة غائبة إن لم نقل كلها، ونصف الجغرافيا خارج سيطرة من تظن وهماً بأنها سلطة، ونصف الشعب بين لاجئ ونازح ومشرد؟ أي رسالة يُراد إيصالها؟ وهل المقصود حقاً الاقتصاص للضحايا، أم صناعة مشهد إعلامي جديد يُستهلك لساعات، ثم يُلقى في أرشيف الأخبار مثل عشرات البيانات التي لم تغيّر شيئاً في واقع الحرب؟
إن القضاء يفقد هيبته حين يصبح طرفاً في الصراع، ويفقد استقلاله حين يتحول إلى منصة لإنتاج المواقف السياسية. فالعدالة ليست مؤتمراً صحفياً، ولا بياناً عسكرياً، ولا خطاباً للتعبئة. العدالة ميزان، وإذا اختل الميزان، لم تعد الأحكام سوى أوراق مختومة بخاتم الدولة، لكنها خالية من نص القانون وروحه.
التوقيت والسياق والدلالة وحدها تثير كثيراً من الأسئلة. ففي الوقت الذي تتكثف فيه المبادرات الإقليمية والدولية للبحث عن هدنة، ويتزايد الحديث عن وقف إطلاق النار وتهيئة المناخ لمفاوضات قد تضع حداً لهذه الكارثة الوطنية، تخرج هذه المحاكمة الغيابية المهزلة إلى الواجهة لتحتل العناوين، وكأن الأولوية لم تعد إنقاذ ما تبقى من السودان، وإنما إعادة ترتيب الخصومات السياسية تحت عباءة القضاء المسيس منذ أن أطلت قبيلة بني كوز الملتحية بوجهها القبيح.
ومن حق أي مراقب أن يتساءل: أليس الأجدر أن تُسخّر الطاقات السياسية والقانونية لإيقاف آلة الحرب، بدلاً من إصدار أحكام يعرف الجميع أنها لن تغيّر موازين القوة على الأرض، ولن تعيد قتيلاً إلى الحياة، ولن تُرجع نازحاً إلى منزله؟
إن السلام لا يولد من رحم المشانق، بل من شجاعة السياسة وكياسة من يتصدر مشهدها. والحروب لا تنتهي بالأحكام الغيابية، وإنما تنتهي حين يدرك المتحاربون أن لا أحد يستطيع أن يربح وطناً محترقاً.
لقد أصبحت بعض مؤسسات الدولة تتصرف وكأنها تخوض معركة رمزية موازية للمعركة العسكرية؛ معركة عناوين، وبيانات، وأحكام، بينما المعركة الحقيقية يخوضها المواطن الأعزل في طوابير الخبز، والتكايا ومخيمات النزوح ومذلة اللجوء، وصفوف انتظار الدواء، وتحت القصف اليومي.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الشعارات، ولا إلى صناعة بطولات ورقية، ولا إلى محاكمات تُقرأ نتائجها قبل أن تبدأ جلساتها. إنه يحتاج إلى رجال دولة، لا إلى مخرجين يجيدون إدارة المشاهد السياسية التي ملها الشعب السوداني حد السأم.
فالسلام الذي ينتظره السودانيون لن يأتي من منصة قاض يقرأ حكماً على مقاعد خاوية، وإنما من منصة تفاوض تُسكت البنادق، وتفتح الطريق أمام عدالة انتقالية حقيقية، يشارك فيها الجميع، وتحاسب الجميع، بعيداً عن الانتقائية وروح الانتقام.
أما تحويل القضاء إلى أحد أسلحة الحرب، فهو لا يحقق العدالة، بل يضيف جرحاً جديداً إلى جسدها.
ولعل أكثر ما يثير الأسى أن السودان، الذي كان ينبغي أن ينشغل اليوم بوقف الحرب، وتأمين المساعدات الإنسانية، وإعادة بناء الثقة بين السودانيين، وجد نفسه منشغلاً بمشهد يكاد يلخص مأساة المرحلة كلها: حكمٌ غيابي، ومحكمة بلا متهم، وعدالة تبحث عن جمهور، بينما الوطن كله يقف غائباً عن قاعة المحكمة... لأنه ما يزال ينزف جراحاً وألماً.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة