مصر والمنطق الاستعماري: هل تعيد قوة إقليمية إنتاج النموذج الأوروبي في السودان؟ 2-2كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-01-2026, 09:02 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-01-2026, 03:37 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 282

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
مصر والمنطق الاستعماري: هل تعيد قوة إقليمية إنتاج النموذج الأوروبي في السودان؟ 2-2كتبه خالد كودي

    03:37 PM July, 01 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    مصر والمنطق الاستعماري: هل تعيد قوة إقليمية إنتاج النموذج الأوروبي في السودان؟

    2-2

    30/6/2026 خالد كودي، بوسطن

    خامساً: صناعة "الآخر" بوصفها مدخلاً للهيمنة
    لم يكن الاستعمار مشروعًا عسكريًا أو اقتصاديًا فحسب، بل كان أيضًا مشروعًا ثقافيًا ومعرفيًا أعاد تشكيل صورة الشعوب المستعمَرة في الوعي العالمي. فالسيطرة على الأرض تبدأ، في كثير من الأحيان، بالسيطرة على السردية؛ ونهب الموارد يسبقه نزع الشرعية عن أصحابها وإقناع العالم بأنهم غير مؤهلين لإدارة أنفسهم أو ثرواتهم.
    في كتابه الاستشراق، يبين إدوارد سعيد أن الإمبراطوريات لم تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل أنتجت منظومة معرفية وثقافية صورت الشعوب الواقعة خارج المركز باعتبارها متخلفة، وغير عقلانية، وعاطفية، وعاجزة عن بناء دولة حديثة. وبهذه الطريقة لم يعد الاحتلال يُقدَّم بوصفه عدوانًا، بل باعتباره رسالة حضارية أو ضرورة لإدارة شعوب غير قادرة على حكم نفسها.
    ويتقاطع هذا التحليل مع فرانتز فانون، الذي رأى أن الاستعمار لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل الوعي أيضًا؛ فهو يزرع لدى المستعمِر شعورًا بالتفوق، وفي المقابل يغرس في المستعمَر شعورًا بالدونية وفقدان الثقة بالنفس. ومن هنا تصبح الهيمنة علاقة نفسية وثقافية بقدر ما هي علاقة سياسية.
    W. E . B. Du Bois أما المفكر الأمريكي الأفريقي
    فقد كشف كيف أنتجت الثقافة الغربية صورة الإنسان الأسود باعتباره أقل أهلية للعقل، والمواطنة، والإبداع، وهي صورة لم تكن منفصلة عن العبودية والاستعمار، بل كانت إحدى أدواتهما الأساسية. وطورت بيل هوكس وأنجيلا ديفيز هذا النقد من منظور النسوية السوداء، موضحتين أن العنصرية، والاستعمار، والنظام الأبوي ليست أنظمة مستقلة، بل بنية واحدة لإدارة العمل والثروة والسلطة والجسد، حيث يُستخدم التمثيل الثقافي لإضفاء الشرعية على علاقات الهيمنة وعدم المساواة.
    Controlling Images وفي السياق نفسه، قدمت باتريشيا هيل كولينز مفهوم "الصور الضابطة"
    موضحة أن الصور النمطية ليست مجرد أحكام مسبقة، بل أدوات أيديولوجية تُنتج وتُكرر لتبرير التراتبية العرقية والاجتماعية. ويذهب ستيوارت هول إلى أن وسائل الإعلام والسينما والأدب لا تعكس الواقع بحياد، بل تشارك في إنتاجه، لأنها تحدد من يُنظر إليه باعتباره متحضرًا وقادرًا، ومن يُختزل في صورة الآخر التابع أو المتخلف. ومن أفريقيا، يؤكد نغوغي واثيونغو أن الاستعمار يبدأ بالسيطرة على اللغة والخيال قبل أن يفرض سيطرته على الأرض؛ فالشعب الذي يُحرم من حقه في تمثيل نفسه ورواية تاريخه يصبح أسيرًا للصورة التي ينتجها عنه الآخر.
    وقد خاضت المجتمعات الغربية، منذ حركات الحقوق المدنية، ونشوء دراسات ما بعد الاستعمار، والنقد النسوي، ودراسات العرق، مراجعات فكرية وثقافية واسعة لهذا الإرث. ورغم أن العنصرية لم تختفِ من تلك المجتمعات، فإن كثيرًا من الصور النمطية التي كانت شائعة في الأدب، والسينما، والمسرح، والإعلام، مثل "الوجه الأسود"
    والشخصيات الكاريكاتورية المهينة للسود، أصبحت محل إدانة أخلاقية ونقد أكاديمي ومراجعة مؤسسية، وأزيل معظمها من المناهج والأعمال الفنية أو أُعيد تقديمها في سياق نقدي.
    وفي المقابل، يرى هذا المقال أن بعض أنماط الخطاب الإعلامي والإنتاج الدرامي والثقافي في مصر لا تزال، في معظم الحالات، تعيد إنتاج تصورات عن السودانيين والأفارقة تتقاطع مع هذا الإرث الاستعماري، من خلال تقديمهم في أدوار التابع، أو الأقل تحضرًا، أو مادة للسخرية، أو الشخص الكسول الذي يفتقر إلى الكفاءة والفاعلية. ولا يتعلق الأمر هنا بأعمال فردية معزولة، بل بوجود أنماط تمثيل تستحق مراجعة نقدية جادة، أسوة بما شهدته مجتمعات أخرى. ذلك أن استمرار هذه الصور لا يسيء إلى شعب بعينه فحسب، بل يرسخ رؤية غير متكافئة للعلاقة بين مصر والسودان، ويمنح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شرعية ثقافية لفكرة الوصاية أو الهيمنة كما يشرعن لردود الفعل السلبية. ومن ثم، فإن تجاوز هذا الإرث لا يمثل مصلحة سودانية فقط، بل هو أيضًا ضرورة فكرية وأخلاقية لتحديث الثقافة العربية وبناء علاقات إقليمية تقوم على المساواة والاحترام المتبادل، لا على الصور النمطية التي أنتجتها عصور الاستعمار.

    سادساً: البعد النفسي للاستعمار... من التنميط إلى شرعنة السيطرة
    تشير دراسات علم النفس السياسي والاجتماعي إلى أن أخطر آثار التنميط العنصري لا تتمثل في تشويه صورة الضحية فحسب، بل في إعادة تشكيل وعي الطرف المهيمن أيضًا. فعندما يُصوَّر شعبٌ ما بصورة متكررة على أنه أقل عقلانية، أو أقل قدرة على التنظيم، أو غير مؤهل لإدارة موارده، تتولد لدى القوة الأقوى قناعة ضمنية بأنها الأحق باتخاذ القرار نيابة عنه، وأن تدخلها في شؤونه يمثل عملاً مشروعًا أو حتى واجبًا.
    (Dehumanization)ويصف علماء النفس الاجتماعي هذه العملية بمفهوم "التجريد من الإنسانية"
    وهي آلية نفسية تؤدي إلى تقليص الاعتراف الكامل بإنسانية الآخر وأهليته السياسية والأخلاقية. وعندما تُنزع عن شعب ما صفات الكفاءة والعقل والاستقلال، يصبح انتهاك حقوقه، أو السيطرة على موارده، أو فرض الإرادة عليه بالقوة، أكثر قابلية للتبرير في وعي الطرف الأقوى، باعتباره دفاعًا عن الأمن، أو حمايةً للمصالح، أو تصحيحًا لعجزٍ مزعوم.
    وفي ضوء هذا الإطار، يمكن قراءة بعض الخطابات الإعلامية والثقافية المتعلقة بالسودان في مصر باعتبارها أكثر من مجرد صور نمطية أو نكات عابرة. فعندما يُقدَّم السوداني، في بعض الأعمال الإعلامية والدرامية، بوصفه تابعًا، أو أقل تطورًا، أو مادةً للسخرية، كما في تمازج مثل عثمان البواب فإن هذا التمثيل لا يبقى في حدود الثقافة الشعبية، بل قد يسهم في بناء تصور أوسع يرى السودان فضاءً تابعًا، أو مجالًا حيويًا، أو امتدادًا طبيعيًا للمصالح المصرية. وهنا تتحول الصورة الثقافية إلى جزء من البنية الذهنية التي يمكن أن تُستخدم لتبرير علاقات غير متكافئة بين الدول، بحيث يُنظر إلى موارد السودان وسيادته من خلال منظور المصلحة الاستراتيجية للطرف الأقوى في الزمان المعين، لا من خلال مبدأ المساواة الكاملة في السيادة الذي يقوم عليه القانون الدولي المعاصر.

    سابعاً: السودان في المخيال المصري: من الصورة إلى السياسة
    في الكثير من الإنتاج الإعلامي والدرامي المصري، تظهر الشخصية السودانية والأفريقية (بناء على لون البشرة) في صور هامشية: الخادم، البواب، الشخص الساذج، صاحب اللهجة المثيرة للضحك، البندقجي أو التابع ثقافيًا. وهذه الصور ليست بلا تاريخ. فهي تذكّر، من حيث الوظيفة الرمزية، بتاريخ طويل من الصور العنصرية في الثقافة الغربية، مثل
    Blackface وشخصية Sambo
    في الولايات المتحدة، حيث جرى تقديم الإنسان الأسود ككائن طفولي، كسول، ومحدود الذكاء...
    ومع أن هوليوود والمؤسسات الثقافية الغربية تعرضت لنقد عميق منذ حركات الحقوق المدنية وما بعدها، ولا تزال تواجه هذا الإرث، فإن بعض الثقافات العربية وعلي راسها المصرية لم تُخضع تمثيلها للأفارقة والسود لمراجعة مماثلة بالعمق نفسه. وهنا يجب التمييز بين نقد أنماط ثقافية وإعلامية محددة، وبين التعميم على الشعب المصري كله، إذ توجد أيضًا أصوات مصرية تقدمية ومثقفون وفنانون قاوموا العنصرية ودافعوا عن المساواة.
    لكن المشكلة أن الصورة النمطية، حين تتراكم، لا تنتج إهانة رمزية فقط، بل تصنع استعدادًا نفسيًا لقبول اللامساواة السياسية. فمن يُقدَّم بوصفه أدنى ثقافيًا، يسهل لاحقًا تقديم بلاده بوصفها أقل أهلية لإدارة مواردها أو حماية حدودها أو تقرير مصيرها.

    ثامناً: مصر الحديثة ومحاولة أداء دور المركز تجاه السودان
    إذا كانت أوروبا قد نظرت إلى أفريقيا بوصفها محيطًا تابعًا، فإن السؤال المعاصر هو: هل تحاول مصر الحديثة، في سياساتها تجاه السودان، أن تلعب دور المركز الإقليمي الذي يعيد إنتاج العلاقة نفسها على نطاق أصغر؟
    تاريخيًا، لم تكن علاقة الدولة المصرية بالسودان علاقة جوار عادية، كما أسلفنا، فمنذ حملة محمد علي، ارتبط السودان في التصور الاستراتيجي المصري بالموارد، والجنود، والمياه، والأرض، والحدود الجنوبية القابلة للاستباحة. ومع تطور الدولة الحديثة، استمر النظر إلى السودان باعتباره جزءًا من معادلة الأمن القومي المصري، لا باعتباره دولة مستقلة ذات مصالح مساوية.
    هذا لا يعني إنكار الروابط الاجتماعية والثقافية والتاريخية بين الشعبين، ولا إنكار لحظات التعاون والتداخل. لكنه يعني أن هذه الروابط كثيرًا ما استُخدمت سياسيًا لتبرير نفوذ غير متكافئ، حيث يجري تصوير السودان كامتداد طبيعي لمصر، بينما لا يُمنح السودانيون الحق نفسه في تعريف مصالحهم المستقلة.
    ومن منظور الاقتصاد السياسي، تصبح الموارد السودانية، الذهب، الأرض، المياه، الثروة الحيوانية، والموقع الجغرافي، موضوعًا لصراع يتجاوز التجارة الطبيعية بين الدول. فحين تُعامل الموارد السودانية باعتبارها جزءًا من الأمن القومي المصري، لا من السيادة السودانية، نكون أمام تفس المنطق الاستعماري القديم: الدولة الأقوى في الزمان المعين ترى موارد الطرف الأضعف جزءًا من مجالها الاستراتيجي.

    تاسعاً: الذهب والحدود وخطاب الأمن القومي
    تطرح التقارير المعاصرة المتعلقة باستهداف مناطق تعدين سودانية قرب الحدود المصرية أسئلة خطيرة حول العلاقة بين الموارد والسيادة واستخدام القوة. وقد ثبت أن مدنيين سودانيين يعملون في التعدين قد استُهدفوا داخل الأراضي السودانية، وذلك يفتح بابًا واسعًا للمساءلة القانونية والسياسية: من يملك حق استخدام القوة؟ وما حدود الأمن القومي؟ وهل يجوز لدولة أن تتعامل مع موارد دولة مجاورة أو مناطقها الحدودية بوصفها مجالًا مفتوحًا للتدخل؟
    إن خطاب "الأمن القومي" كثيرًا ما استُخدم في التاريخ لتبرير السيطرة خارج الحدود. استخدمته الإمبراطوريات الأوروبية لحماية طرق التجارة، واستخدمته القوى الاستعمارية لتأمين الموارد، وتستخدمه اليوم بعض الدول بما فيها مصر لتبرير التدخلات العابرة للحدود. لكن القانون الدولي الحديث يقوم على مبدأ واضح: سيادة الدول، وحظر استخدام القوة، وحق الشعوب في السيطرة على مواردها الطبيعية.
    من منظور نظريات الاستعمار الجديد، لا يكفي النظر إلى الحدث العسكري وحده. يجب طرح أسئلة أعمق: هل ترتبط المنطقة بموارد استراتيجية؟ هل توجد مصالح اقتصادية عابرة للحدود؟ هل يجري تصوير السكان المحليين بوصفهم خطرًا أمنيًا بدلًا من مواطنين لهم حقوق؟ وهل تستخدم القوة لحماية حدود دولة أم لحماية منطق نفوذ أوسع؟

    عاشراً: النخب المحلية ودور الوسيط
    لا يعمل الاستعمار، قديمًا أو جديدًا، عبر الخارج وحده. فقد أوضح فانون وسمير أمين ووالتر رودني أن الهيمنة تحتاج إلى نخب محلية تقوم بدور الوسيط بين المركز الخارجي والموارد الوطنية. هذه النخب قد تكون سياسية، أو اقتصادية، أو دينية، أو عسكرية. وهي لا تظهر دائمًا بوصفها عميلة مباشرة، بل قد تتحرك عبر مصالح، وامتيازات، ووعود بالحماية، وخوف من فقدان السلطة.
    في الحالة السودانية، يصبح السؤال مهمًا: كيف يسهم فساد بعض القيادات السياسية والدينية والعسكرية في إضعاف القرار الوطني؟ وكيف يمكن للقوى الخارجية أن تجد في الانقسامات الداخلية مدخلًا للتأثير؟ إن الهيمنة الخارجية لا تنجح عادة إلا عندما تجد قابلية داخلية: دولة ضعيفة في حالة حروب اهلية، مؤسسات منهارة، نخب تبحث عن البقاء، وخطاب وطني ممزق
    لذلك فإن مقاومة المنطق الاستعماري لا تكون فقط بمواجهة الخارج، بل أيضًا بإعادة بناء الداخل: دولة قانون، سيادة شعبية، شفافية في إدارة الموارد، ومؤسسات قادرة على حماية القرار الوطني من البيع أو الارتهان.

    الحادي عشر: نحو علاقة مصرية–سودانية جديدة: من الهيمنة إلى الشراكة
    إذا كانت الرسالة الأساسية لهذا المقال هي أن منطق الهيمنة لا يبني سلامًا دائمًا، فإن الرسالة المقابلة هي أن مستقبل مصر والسودان لا يمكن أن يقوم إلا على علاقة ندية بين دولتين مستقلتين، تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، لا علاقة مركز بطرف أو وصاية بمرؤوس.
    لقد وفرت التجربة التاريخية، منذ حملة محمد علي وحتى اليوم، دروسًا كافية لإثبات أن السياسات التي تُبنى على فرض النفوذ أو دعم أنظمة ضعيفة وعميلة لضمان مصالح قصيرة الأجل لا تنتج استقرارًا طويل المدى. فالرهان على سلطات انتقالية مرتبكة أو قيادات عسكرية عميلة باعتبارها الضامن الدائم للمصالح الإقليمية هو رهان محدود الأفق، لأن الشرعية السياسية، في نهاية المطاف، تتغير بتغير موازين المجتمع والدولة، والسودان يمر بتغيير كبير.
    ومن مصلحة صانع القرار المصري أن يدرك أن السودان يعيش تحولًا تاريخيًا عميقًا. فقد نشأت أجيال جديدة من السودانيين أكثر تعليمًا، وأكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر انخراطًا في الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا والجامعات والمؤسسات الدولية. ولم تعد هذه الأجيال تنظر إلى مصر بوصفها مركزًا وحيدًا للمعرفة أو الحداثة، بل تتفاعل مباشرة مع تجارب عالمية في آسيا، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، وأفريقيا، وتبني تصوراتها عن الدولة والتنمية والحوكمة من مصادر متعددة. وهذا التحول في الوعي يجعل من الصعب إعادة إنتاج أنماط العلاقات التي سادت في القرن التاسع عشر أو في العقود الأخيرة من القرن العشرين او حتى المعاصرة.
    كما أن السودان يمتلك من عناصر القوة ما يجعله شريكًا مؤثرا لا تابعًا. فهو يملك موارد مائية، وأراضي زراعية واسعة، وثروة حيوانية ضخمة، وذهبًا، ومعادن استراتيجية، وموقعًا جغرافيًا يربط بين القرن الأفريقي، ووسط أفريقيا، والبحر الأحمر، والعالم العربي. وإلى جانب ذلك، يمتلك السودان خيارات متعددة في علاقاته الإقليمية والدولية، بما في ذلك علاقاته مع دول حوض النيل، وفي مقدمتها إثيوبيا، جنوب السودان ويوغندا ومع القوى الاقتصادية الصاعدة في آسيا وأفريقيا والعالم. وهذه المقومات تمنحه هامشًا أوسع في رسم سياساته الخارجية كلما تعززت مؤسساته الوطنية واستقرت أوضاعه الداخلية.
    إن السياسة الأكثر حكمة بالنسبة لمصر ليست السعي إلى إدارة السودان من خلال موازين القوة أو النفوذ في وقت بعينه، وإنما الاستثمار في بناء علاقة استراتيجية تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والاعتراف الكامل بسيادة السودان على قراره وموارده واراضيه. فالتكامل الزراعي، والتعاون الصناعي، وربط البنية التحتية، وتطوير التجارة، وإدارة مياه النيل عبر الحوار والقانون الدولي، تمثل جميعها مصالح مشتركة يمكن أن تحقق مكاسب مستدامة للطرفين، بخلاف سياسات الهيمنة التي تولد الشكوك، وتستنزف الثقة، وتدفع نحو الاستقطاب الإقليمي.
    لقد تغيرت موازين المعرفة والقوة في القرن الحادي والعشرين. ولم يعد ممكناً لأي دولة، مهما كان تاريخها أو ثقلها، أن تبني نفوذًا دائمًا على افتراض تبعية شعب آخر أو قابليته للوصاية الدائمة. إن المستقبل في وادي النيل لن يكون لمن يمتلك أدوات الإكراه، بل لمن يمتلك القدرة على بناء شراكة عادلة تقوم على المصلحة المتبادلة، واحترام السيادة، والتنمية المشتركة. وهذه ليست مصلحة للسودان وحده، بل هي أيضًا المصلحة الاستراتيجية طويلة الأجل لمصر نفسها.

    الخاتمة
    يخلص هذا المقال إلى أن الاستعمار ليس مجرد مرحلة تاريخية انتهت بانسحاب الجيوش الأوروبية من أفريقيا، بل هو منطق في ممارسة القوة يقوم على تحويل التفوق العسكري أو الاقتصادي إلى ادعاء بحق السيطرة على موارد الآخرين وتوجيه خياراتهم السياسية. وقد بينت التجربة التاريخية، كما أوضح مفكرو الاقتصاد السياسي وما بعد الاستعمار، أن هذا المنطق لا ينتج استقرارًا ولا شراكات مستدامة، وإنما يعيد إنتاج التبعية والصراع وعدم الثقة.
    ومن هذا المنظور، فإن مستقبل العلاقات المصرية–السودانية لا ينبغي أن يُبنى على افتراض استمرار موازين القوة الراهنة أو على الرهان على أنظمة سياسية مؤقتة، بل على إدراك حقيقة تاريخية وسياسية واضحة: السودان يتجه، عاجلًا أم آجلًا، نحو إعادة بناء دولة تستند إلى مواطنين أكثر وعيًا، وأكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر قدرة على الدفاع عن سيادتهم وإدارة مواردهم وفق مصالحهم الوطنية. وفي ظل هذا التحول، لن يكون لأي مشروع يقوم على الهيمنة أو الوصاية أو استغلال ضعف الدولة السودانية الحالي مستقبل طويل.
    إن مصلحة مصر الحقيقية لا تكمن في استمرار السودان ضعيفًا أو منقسمًا، ولا في دعم معادلات تكرس النفوذ على حساب السيادة، بل في قيام دولة سودانية مستقرة، قوية، وديمقراطية، تكون شريكًا قادرًا على بناء مصالح مشتركة في مجالات المياه، والتجارة، والزراعة، والاستثمار، والأمن الإقليمي. فالعلاقات التي تقوم على الندية والاحترام المتبادل أكثر دوامًا وربحًا من العلاقات التي تقوم على الإكراه أو اختلال ميزان القوة.
    لقد انتهى عصر الإمبراطوريات، وينبغي أن ينتهي معه الاعتقاد بأن أمن دولة يمكن أن يتحقق عبر السيطرة على جارتها أو توظيف مواردها لخدمة مصالحها الخاصة. فمستقبل وادي النيل لن تصنعه الهيمنة، بل الشراكة؛ ولن تحميه القوة وحدها، بل العدالة، واحترام السيادة، والاعتراف الكامل بحق كل شعب في إدارة أرضه، وثرواته، وقراره الوطني. تلك هي القاعدة الوحيدة القادرة على تأسيس علاقة تاريخية جديدة بين السودان ومصر، تتجاوز إرث الماضي وتستجيب لمتطلبات القرن الحادي والعشرين.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de