من نعم الله على الإنسان أن يرزقه صديقًا يقرأه كما يقرأ كتابًا مفتوحًا، لا يكتفي بمتابعة ما يكتب، بل يتعقب رحلته الفكرية، ويلاحظ ما لا يلاحظه كثير من الناس. ومن هؤلاء صديق أديب عرفته في الدوحة، ظل بين الفينة والأخرى يبعث إليّ برسائل قصيرة، لكنها مكتنزة بالمعنى، كأنها تلقي حجرًا صغيرًا في بحيرة ساكنة، فلا يلبث أن تتسع دوائرها حتى تبلغ الضفاف.
كتب إليّ قبل أيام يقول:
“تطورت كتاباتك بعد رحيلك من الدوحة إلى نيروبي إلى مستويات نظرية وفكرية سامقة وعميقة، وبلغة أكثر رفعة. هل هو تأثير الغابات المطيرة وضفاف بحيرة فيكتوريا الساحرة، أم تأثير ملهمة جديدة؟ بالمناسبة، أعظم قصائد لامارتين كانت قصيدته المشهورة «البحيرة» التي كتبها بعد أن التقى فاتنته جوليا شارل على ضفاف بحيرة بورجيه، فغيّرت مسار حياته.”
أعدت قراءة الرسالة أكثر من مرة، لا لأنني كنت أبحث عن مقدار ما فيها من مجاملة، وإنما لأنني وجدت فيها سؤالًا أعمق من أن يكون تعليقًا على أسلوب الكتابة. كان صاحبي، من حيث يدري أو لا يدري، يوقظ سؤالًا ظل يرافقني منذ سنوات: هل للأمكنة أذواقٌ تسري في أرواحنا؟ وهل تستطيع البيئة التي يعيش فيها الإنسان أن تلهمه أو تحبس أنفاسه، كما يفعل الهواء بالرئتين؟
لم يكن سؤاله غريبًا على رجل يعرف الأدب. فالأدباء منذ القدم لم ينظروا إلى المكان باعتباره خلفية جامدة للأحداث، وإنما رأوا فيه شريكًا خفيًا في صناعة الخيال. ليس لأن الجبال تكتب القصائد، أو لأن البحيرات تؤلف الروايات، بل لأن الطبيعة، حين تصادف نفسًا مهيأة، تزيل عنها غبار الاعتياد، فيرى الإنسان الأشياء كأنه يراها لأول مرة.
ولذلك استدعى صاحبي لامارتين، ولم يستدعِ شاعرًا آخر. فقصيدة «البحيرة» لم تكن وصفًا للماء، وإنما كانت وصفًا للزمن وهو ينساب كما ينساب الماء، وللحب وهو يقاوم الفناء. كانت البحيرة مسرحًا، لكن is المسرحية كلها كانت تدور في داخل الشاعر.
وهكذا هي الأمكنة. ليست هي التي تبدع، لكنها كثيرًا ما توقظ فينا مكامن الإبداع.
ولعل هذه الحقيقة ليست وقفًا على الشعراء. يكفي أن نتأمل خرائط الإبداع في العالم حتى ندرك أن الأفكار، شأنها شأن النباتات، تحتاج إلى مناخات مختلفة كي تزهر. وليس المقصود بالمناخ هنا درجات الحرارة ولا معدلات الأمطار، وإنما ذلك الجو المركب الذي تتداخل فيه الحرية، والحياة الاجتماعية، والفضول المعرفي، والإحساس بأن العالم أوسع من أن يُختزل في تجربة واحدة.
ولذلك طالما استوقفتني ظاهرة لافتة. فإذا استعرضنا تاريخ الأدب الحديث وجدنا أن الولايات المتحدة، وهي أمة حديثة نسبيًا، أنجبت عددًا من كبار الأدباء الذين لم يكونوا مجرد صناع لغة، بل كانوا أيضًا أصحاب مشاريع فكرية كبرى. ففي كتابات إيمرسون يمتزج التأمل الفلسفي بالأدب، وفي ثورو تتحول الطبيعة إلى مختبر للأخلاق، وعند والت ويتمان يصبح الإنسان نفسه قصيدة مفتوحة، بينما جعل همنغواي من التجربة الإنسانية مادةً للتأمل قبل أن يجعلها مادةً للسرد.
ولم يكن ذلك لأن أمريكا أكثر الشعوب موهبة، فالموهبة لا تعرف جوازات السفر، وإنما لأنها، في مراحل ازدهارها الثقافي، استطاعت أن تخلق فضاءً تتجاور فيه العلوم والفنون، وتتجاور فيه الجامعة مع المسرح، والمكتبة مع المقهى، والباحث مع الموسيقي، دون أن يشعر أحد بأن المعرفة ينبغي أن تُحبس في قفص التخصص.
وهنا أستحضر السودان، لا من باب المقارنة الجائرة، وإنما من باب الحسرة على طاقات كان يمكن أن تبلغ آفاقًا أبعد.
لقد ورثنا نظامًا تعليميًا يكاد يقيم جدارًا صلدًا بين العلوم والآداب. فالطالب الذي يدخل كلية الهندسة أو الطب أو العلوم يُعامل كأن الأدب ترف لا يعنيه، وكأن الشعر لا يزيد الفيزيائي إلا ضياعًا، أو أن الفلسفة عبء على الطبيب. وهكذا تتخرج أجيال تمتلك أدوات التحليل العلمي، لكنها كثيرًا ما تُحرم من ذلك المتنفس الذي يمنح الفكر مرونته، واللغة أجنحتها.
والحال أن الحضارات الكبرى لم تعرف هذا الفصل الحاد بين العقل والخيال. فالعقل كلما اتسعت دوائره ازداد تواضعًا، وكلما ازداد اطلاعًا على الفنون أصبح أقدر على رؤية العلاقات الخفية بين الأشياء.
وربما لهذا السبب لم يكن كثير من كبار الأدباء أسرى لتخصصاتهم، بل كانوا أبناء ثقافات واسعة، لا تضع بين المعرفة وأختها أسلاكًا شائكة.
وهنا يحضر في ذهني اسم النور عثمان أبكر، لا لأنه شاعر سوداني فحسب، وإنما لأنه كان نموذجًا لذلك العقل الذي رفض أن يعيش في غرفة واحدة. كان يرى الثقافة نهرًا تتلاقى فيه الروافد العربية والإفريقية والإنسانية، ولم يكن يخشى أن يعبر من ضفة إلى أخرى، لأن الهوية الواثقة لا تخاف من الحوار، بل تزداد به غنى.
ولعل هذا ما يفسر أن الأمم التي ازدهر فيها الأدب لم تكن دائمًا هي الأمم الأكثر ثراءً، وإنما كانت الأمم الأكثر حيوية.
فالثراء يستطيع أن يبني طرقًا ومطارات ومدنًا شاهقة، لكنه لا يستطيع أن يخلق وحده شاعرًا، ولا أن ينحت مفكرًا. الإبداع لا يشتري تذكرة في الدرجة الأولى، ولا يقيم في الفنادق الفاخرة، وإنما يبحث عن شيء آخر يصعب قياسه بالأرقام؛ يبحث عن مجتمع حي، تتصادم فيه الأفكار كما تتلاقى الأمواج، ويتسع صدره للأسئلة قبل الأجوبة.
وأنا أقرأ رسالة صاحبي، أدركت أن حديثه عن بحيرة فيكتوريا لم يكن في الحقيقة حديثًا عن الماء، وإنما عن ذلك المناخ الذي يجعل الكاتب يشعر أن اللغة نفسها أصبحت أخف على اللسان، وأن الفكرة تمضي إلى غايتها دون أن تتعثر في كل خطوة.
عندها فقط تذكرت أول حديث دار بيني وبين زوجتي بعد وصولنا إلى الدوحة، حديثًا ظننته يومها عابرًا، ثم اكتشفت بعد سنوات أنه كان يلخص، في كلمات قليلة، رحلةً كاملة من التأمل.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة