تُشكل الأزمة السودانية الراهنة منذ أبريل 2023 إفلاس تاريخي شامل لنموذج الدولة المركزية الذي ورث بنية استعمارية قائمة على الاستغلال والإقصاء. فالكيان السياسي الذي أُعلن عام 1956 لم ينشأ من عقد اجتماعي تفاوضي يعبر عن إرادة الشعوب المتعددة، وإنما كان إعادة توزيع قانونية لسلطة مركزية أعادت إنتاج التراتبية الجغرافية والاجتماعية ذاتها.
تعاقبت حكومات مدنية وعسكرية (يسارية ، يمينية ، طائفية) تشاركت في جوهر واحد هو مركزة السلطة واحتكار التعريف الوطني وإقصاء الأطراف، مما حوّل كل ثورة إلى دورة جديدة في الدوران على المحور نفسه. اليوم، يكشف الدمار والتهجير عن نهاية حتمية لهذا النموذج الذي لم يبنَ يوماً على توافق حقيقي.
في عمقها، تمثل الأزمة مشكلة شرعية فلسفية أولى. الشرعية هي اعتراف المجتمعات بأن السلطة عادلة في أصلها وممارستها. والدولة المركزية الكلاسيكية، بفرضيتها أن الوحدة تتطلب تجانساً قسرياً، أثبتت عجزها في بلد شاسع التعدد والتفاوت. لم تنتج وحدة ولا تنمية ولا هوية جامعة بل تمردات وهويات متصارعة متراكمة تستمد قوتها من الإقصاء. الوحدة المفروضة من أعلى تبقى صورية خالية من المضمون الحي، كما وصفها هيغل.
لذلك، يجب الكفر بفكرة إصلاح النظام القائم، ويتعين تفكيك بنيته الإدارية الموروثة وإعادة بناء الدولة من الأساس. يبدأ الحل بتأسيس كونفدراليات يتراضى عليها المجتمعات كتجربة انتقالية حية. هذه الكونفدراليات تعتبر مرحلة تأسيسية ضرورية تقوم على الرضا الحر والاستقلالية في إدارة الشؤون الداخلية مع وحدة في الفضاء المشترك والمصالح المتداخلة. من خلال هذه التجربة، تُبنى الثقة تدريجياً عبر التعاون العملي في المجالات المشتركة كالأمن الجماعي والاقتصاد والموارد، مما يقود إلى وحدة أعمق وأرسخ قائمة على توافق المصالح الحقيقية دون إكراه أو إملاء.
يقوم هذا البناء الجديد على مبادئ جوهرية هي أن الدولة عقد طوعي بين جماعات حرة لا إرث مقدس يفرض نفسه، والشرعية تنبثق من أسفل إلى أعلى عبر الاعتراف بالمجتمعات كوحدات سياسية ذات حق تقريري، والعدالة شرط وظيفي أساسي للاستقرار عبر إعادة توزيع عادلة للسلطة والثروة، والهوية مصدر إثراء ينشأ من تلاقي التعدديات. يتطلب ذلك مؤتمراً شعوبياً حقيقياً يجمع المكونات على قدم المساواة لوضع تعاقد اجتماعي جديد، وإعادة تصميم الهندسة السياسية على أساس لامركزية جوهرية، مع عدالة انتقالية تعالج الغبن الهيكلي المتراكم.
السودان اليوم كيان يحمل جرثومة انهياره، والحل في الجرأة على البدء من جديد. بناء دولة جديدة عبر الكونفدراليات التراضي فهو مشروع سياسي واقعي يحول التعدد من مصدر تهديد إلى ثروة حضارية، ويؤسس لوحدة طوعية مستدامة مبنية على إرادة الشعوب. هذا هو الطريق الوحيد لإخراج السودان من دائرة الانهيار نحو مستقبل يليق بتاريخه وإمكانياته.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة