عندما عبر الملك العظيم النهر إلى البلاد المجاورة، لم يُخفِ أهدافه. قال لقادته إنه يريد الذهب والرجال والأرض. كانت تلك هي الأسباب التي تُكتب في المراسيم وتُقرأ على الجنود قبل المعارك.
لكن ما لم يقله لأحد كان أكبر من الذهب وأبعد من الأرض.
كان يريد أن يزرع شعباً مكان شعب، وأن يبدل الوجوه واللسان والذاكرة، حتى يأتي يوم لا يجد فيه أهل البلاد مرآة يرون فيها أنفسهم.
دخلت جيوشه المدن والقرى، وجمعت الغنائم، وساقت الأسرى في السلاسل. ظن الناس أن الأمر لا يعدو كونه احتلالاً كسائر الاحتلالات، وأن الغريب سيرحل يوماً كما جاء.
لكن القدر كتب فصلاً آخر.
في إحدى الليالي اشتعلت النار في دار الحاكم الغازي، وقُتل ابنه مع عدد من جنوده على أيدي رجال من أهل البلاد. وصل الخبر إلى الملك كالصاعقة.
لم يبكِ كثيراً.
أقسم فقط.
أقسم أن يدفع هذا الشعب دية ابنه ما بقي فيه عرق ينبض.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد الحرب حرباً على الأرض، بل حرباً على المستقبل.
أرسل الملك حملات لا تُحصى. أحرقت القرى، وقُتل من قُتل، وأُخذ من أُخذ إلى العبودية. ثم أسكن جنوده في بيوت الغائبين، ومنحهم الحقول والماشية والسلطة.
ومع مرور السنوات، صار الجنود جيراناً، ثم ملاكاً، ثم وجهاء.
ومع مرور العقود، صار أبناؤهم أبناء البلاد.
ومع مرور القرون، نسي كثيرون كيف بدأ كل شيء.
تعلم الوافدون أسماء القرى القديمة، وانتسبوا إلى أهلها، وارتدوا ثيابهم، وتحدثوا بلسانهم حيناً، ثم فرضوا ألسنتهم حيناً آخر. اختلطت الأنساب، وتشابكت المصالح، حتى أصبح من الصعب التمييز بين الغارس والغرس.
أما الملك فقد رحل منذ زمن بعيد.
رحل وترك ابنه في التراب.
لكن انتقامه بقي حياً.
بقي في البذور التي غرسها، وفي السلاسل التي لم يعد أحد يراها، وفي الأيدي التي تدير البلاد من بعيد عبر نسل الجنود وحلفائهم ومخلفات عهدهم القديم.
وكان أهل البلاد، جيلاً بعد جيل، يتساءلون عن سر الشقاء الذي لا ينتهي.
ثم جاء احتلال آخر ورحل.
خرج الأجانب على السفن، وامتلأت الشوارع بالأغاني. كان الناس يهتفون:
"يا غريب... إلى بلدك."
وردد الجميع الكلمات بفرح.
لكن شيخاً عجوزاً كان واقفاً عند طرف الطريق يراقب المشهد بصمت.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
"الغريب الذي ترونه راح، نعم. لكنه لم يترك وراءه ولداً. أما الغريب الأول... فقد ترك أولاداً وأحفاداً، وترك أرضاً وذاكرةً وحكماً لا يزال يمشي بين الناس."
ثم أشار بعصاه نحو الجنوب حيث بدأت الحكاية قبل أجيال طويلة، وهمس:
"منذ ذلك العام البعيد... ما زالت دية الابن تُدفع."
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة