مفصل استراتيجي بين دارفور المسيطَر عليها بالكامل وبوابة العاصمة
تتجه الأنظار اليوم نحو مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، باعتبارها العقدة الحاسمة المتبقية أمام قوات "تأسيس" بقيادة الدعم السريع، بعد أن أحكمت هذه القوات قبضتها على إقليم دارفور بولاياته الخمس، ووسّعت تمركزها في جنوب كردفان ومساحات واسعة من غرب كردفان. فالسيطرة على الأبيض تمثل تحوّلاً نوعياً في معادلة الصراع برمّته.
تقع الأبيض في الموقع الجغرافي الذي يربط الخرطوم ووسط السودان بإقليم كردفان . فدارفور، ما يمنحها ثقلاً عسكرياً ولوجستياً مهماً ، فضلاً عن استخدامها مركزاً متقدماً لتنسيق وإدارة العمليات القتالية الممتدة نحو شمال وغرب وجنوب كردفان ودارفور. وبهذا المعنى، فإن سقوط هذه العقدة بيد "تأسيس" يعني عملياً إغلاق آخر همزات الوصل الميدانية بين دارفور المؤسَّسة وبين الوسط السوداني، وتحويل الجغرافيا العسكرية للبلاد إلى كتلة جغرافية واحدة ممتدة من الحدود الغربية حتى أعتاب النيل الأبيض.
تحتضن الأبيض مقر قيادة الفرقة الخامسة مشاة "الهجانة"، وهي إحدى أعمدة الانتشار العسكري في وسط غرب السودان. ويرى محللون أن السيطرة على المناطق المحيطة بالأبيض لا تؤمّن المدينة فقط، بل تحسّن موقف القوات المشتبكة في غرب كردفان خاصة بعد سيطرة قوات تأسيس على بابنوسة التي تضم قيادة الفرقة 22، وهي ولاية تضم حقل هجليج النفطي ذا القيمة الاقتصادية الكبرى. بمعنى آخر، فإن الأبيض ليست هدفاً منعزلاً، بل مفتاحاً لإسقاط آخر معاقل الدولة القديمة في كردفان الغربية بأكملها.
أصبحت كردفان خط المواجهة الرئيسي بين الطرفين نظراً لموقعها الرابط بين دارفور ووسط البلاد، إذ تُعَدّ الأبيض تحديداً مركز القيادة والإمداد الأبرز للعمليات العسكرية للجيش في الإقليم، ما يجعلها هدفاً دائماً للاستهداف. وقد شهدت المدينة في الأيام الأخيرة تصعيداً نوعياً، إذ تحدثت مصادر عسكرية عن دفع تعزيزات غير مسبوقة من قوات تحالف تأسيس نحو محيط المدينة، بعد سحب مقاتلين من ولايات دارفور وغرب كردفان مدعومين بآليات مدرعة وأسلحة ثقيلة، تمهيداً لمهاجمة دفاعات الجيش المتمركزة حول عاصمة شمال كردفان. كما ترافق هذا الحشد مع استهداف ممنهج لخطوط الإمداد داخل المدينة، تمثّل في قصف بالمسيّرات طال مخازن السلاح ومحطات الوقود وصهاريجه، ما يهدد إمدادات الوقود في كبرى مدن شمال كردفان، إلى جانب توسّع نطاق العمليات شرقاً نحو مدينة الرهد، إحدى المدن الرئيسية الواقعة على الطريق القومي الرابط بين شمال كردفان والنيل الأبيض وصولاً إلى الخرطوم.
في ضوء هذه المعطيات، فإن أي حسم عسكري لمعركة الأبيض لصالح قوات "تأسيس" سيمثل نقطة تحوّل مفصلية ، فهو يعني عملياً تأمين الجناح الغربي بأكمله لمشروع التأسيس من الحدود مع تشاد وليبيا وحتى أعتاب النيل الأبيض، وتحويل خطوط الإمداد بين دارفور والقيادة العامة لقوات تأسيس إلى شريان متصل دون فواصل ميدانية. كما يفتح الطريق أمام الضغط المباشر على بوابات الخرطوم من الغرب. لذلك تحظى معركة الأبيض، في هذه اللحظة، بأهمية تتجاوز حدود الولاية، لتصبح اختباراً حاسماً لمسار الحرب السودانية ولموازين القوى على امتداد الإقليم الغربي بأسره.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة