من الأهمية بمكان أن يلم المثقف بشئ من سير الأعلام في بلاده ؛ لأنهم من يعرفون بأوطانهم خارج الحدود ، فمن الإجحاف أن نجهل سيرهم أو حتى نتجاهلهم.. كمثقف ، إطلعت على بعض كتابات البروفيسور فرانسيس دينق ، و لكن تفاصيل السيرة الذاتية و بالأخص المراحل التعليمية الأولى كانت غائبة عني ، و خلال الأيام الماضية ، وجدت في قناة اليوتوب برنامج يتبع لتلفزيون السودان ، إسمه " ملفات ثقافية" ، حلقة تعود إلى العام 2003م ، إستضاف فيها الأستاذ : خالد لقمان ، البروفيسور فرانسيس دينق مجو ( دينق مجو ؛ هو أحد أشهر سلاطين دينكا نقوك في منطقة أبيي و إسمه : دينق كوال أروب بيونق ، مجو لقب محلي) ، و أثناء الحلقة ، ذكر البروفيسور أنه من مواليد منطقة أبيي في جنوب كردفان، و أنه من أوائل الطلاب الذين تم قبولهم في مدرسة أبيي الأولية في العام 1943م إدبان الحكم الإنجليزي المصري ، في ذلك الوقت ، كان السلم التعليمي هو نظام ( ٤+٤+٤) ؛ أولية ، وسطى ، ثانوي عالي ، و ذكر البروفيسور فرانسيس دينق معلومة مهمة من الناحية التاريخية و خاصة لمواطني دينكا نقوك في الوقت الراهن ، ألا وهي أن الناظر دينق مجو في الفترة التي سبقت إستقلال السودان كان يسكن في منطقة " نونق" شمال مدينة أبيي بحوالى 10 ميل ، و هذا معناه أن إستقرار إسرة كوال أروب بيونق في مدينة أبيي حدث بعد ذلك التاريخ ، مما يدلل على أهمية عملية التوثيق في الحياة بصورة عامة.. كما ذكر أنه درس المرحلة الوسطى في مدرسة التونج ؛ و هي كانت مدرسة خاصة لأبناء النظار و الزعماء و كبار موظفي الدولة في تلكم الأوقات ، و كان الدراسة فيها باللغة الإنجليزية ، و ذكر أنه من الطرائف التي صاحبت تلك المرحلة ، أنهم تعرفوا هنالك على الديانة المسيحية ، و أنه طلب منهم ، مشاورة والدهم قبل إجراء ( المعمودية) ، و بالفعل ، عندما إجتمعوا بوالدهم السلطان دينق كوال في فترة الإجازة الصيفية ، أخبروه برغبتهم في الدخول في الدين المسيحي ، فسألهم السلطان : لماذا؟ فقالوا : الذين يدخلون في المسيحية يدخلون الجنة . فقال لهم السلطان : إذا فرضنا أن الأمر كذلك فعلاً ، و أن الجنة للمسيحيين فقط ؛ فهل يسعدكم أن تكونوا في الجنة ، و بقية أفراد الأسرة و العشيرة في النار ؟!! بعد إجتيازهم إمتحان المرحلة الوسطى بنجاح ، تم ترشيح قبولهم لمدرسة رمبيك الثانوية العليا النموذجية ؛ و لكن السلطان و المفتش ساهموا في التحويل إلى مدرسة خورطقت الثانوية القومية النموذجية ، و لحسن الحظ ، أن درجاتهم كانت تؤهلهم لذلك ، لذا تمت العملية بسلاسة ، و من خورطقت الثانوية القومية النموذجية ، تم قبول الطالب فرانسيس دينق في كلية القانون في جامعة الخرطوم ، و التي كانت رغبته الأولى .. و كما قيل رب ضارة نافعة ، لم يجد الطالب فرانسيس دينق صعوبة في الدراسة ، بسبب كونه تمرس على اللغة الإنجليزية في التونج الوسطى ، و كانت هي لغة التدريس في جامعة الخرطوم آنذاك ، و أثناء فترة الدراسة الجامعية ، لاحظ الطالب فرانسيس دينق أن القوانين التي تدرس في الجامعة هي قوانين إنجليزية و أمريكية ، بالإضافة إلى الشريعة ، و لا مجال للقانون الأهلي أو العرفي ، ناقش الطالب فرانسيس دينق هذا الخلل مع بعض أساتذته ، فلمس إستجابة من أحد أساتذته الإنجليز ، و أحد أساتذته الأمريكان ، و بدأت الجامعة تتلمس القوانين العرفية من أصقاع السودان بسبب مبادرة هذا الطالب المجتهد ، و في السنة قبل النهائية ، ذهب معه أحد أساتذته ، و أحد الطلاب في السنة النهائية إلى منطقة أبيي حيث محكمة والده بغرض التعرف على القوانين العرفية في المنطقة ، و قد تخرج الأستاذ فرانسيس دينق من كلية القانون في جامعة الخرطوم في العام 1962م ، و لأنه تخرج بمرتبة الشرف ، فقد عين معيدا في كلية القانون في جامعة الخرطوم ، و بعث إلى لندن للدراسات العليا ، و لكن لأسباب سياسية ، سحبت حكومة السودان منه البعثة ، و لكن أحد أساتذته الأمريكان في جامعة الخرطوم ، و بعد إحاطته بالمشكلة السياسية الملفقة بتلميذه النجيب ، أرسل ، بمبادرة منه أوراقه لجامعة ييل بالولايات المتحدة الأمريكية ، و لحسن حظ السودان و الإنسانية جمعاء ، تم قبوله هنالك للدراسات العليا.. فكان موضوع بحثه لرسالة الماجستير : القوانين العرفية و دورها في تقدم المجتمع : خلط التقليد مع التقدم . أما موضوعه لرسالة الدكتوراة فكانت هذا السؤال : إذا كان القانون هو إنعكاس لواقع المجتمع ، و وسيلة للحصول على بعض القيم منه : فما هي المصادر المعرفية للقيم الإجتماعية ؟ . و قد أثرى البروفيسور فرانسيس دينق الساحة الثقافية بالعديد من المؤلفات ، و التي تصدى لها الدكتور حيدر إبراهيم بالترجمة من الإنجليزية إلى العربية ، و من اشهر هذه المؤلفات : حرب الرؤى ، رجل يدعى دينق مجو ، دينمائية الهوية ، ذكريات بابو نمر ، الدينكا في السودان ، طائر الشؤم (رواية) . و يعتبر البروفيسور من القلائل المهمومين بقضية الهوية السودانية ، و معالجة الإشكاليات المتعلقة بها ، و هو ، كما صرح الدكتور حيدر إبراهيم شخص متعدد المواهب : روائي ، دبلوماسي ، قانوني ، أنثروبولوجي ، و سياسي . تقلد العديد من المناصب الرفيعة على المستويات كافة ، و ما أضيفه أنا ، و خاصة بعد إلمامي بخلفيته المعرفيه ، أن البروفيسور فرانسيس دينق ، هو النموذج المستقبلي لإنسان سودان الغد المشرق ، الذي تسعى ، و ينبغي أن تسعى الأمة السودانية أو الشعوب السودانية إلى خلقه و إيجاده ، من ركام السودان الحالي ؛ شاب من شباب القطاع المهمش من السودان القديم ، ساعفته الظروف ، عندما وجد نفسه إبنا لزعيم قبلي ذو جاه و سلطة و ثروة ، فإستغل الظرف ، بأفضل ما يكون ، و بالرغم من أن كلية القانون بجامعة الخرطوم ، إستقبلت من دفعته الأفذاذ و الفطاحلة من المدارس القومية النموذجية الأربعة المشهورة آنذاك ، و المجتهدين من بقية المدارس الأخرى ، إلا أنه إستطاع أن يفوز بالسباق في السنة الرابعة و الأخيرة ، ليقول : لا مستحيل تحت العزيمة . فمن حقه أن يكون الأكثر إصراراً على قدرة الشخصية السودانية على التميز ، كما أظهر ذلك في جامعة ييل بالولايات المتحدة الأمريكية ، و على أن يكون الأكثر إصراراً على واقعية قدر الوحدة في المستقبل للشعوب السودانية ، عندما تتحقق العدالة الاجتماعية في ربوع الوطن ، و يهزم الفقر و الجهل و المرض ، عندها ، فإن أمثال البروفيسور ، سيزيد عددهم في جميع أقاليم السودان المختلفة ، و عندها فقط ، تنهزم آخر عقدة في معضلة الهوية السودانية ، و تنعم الأمة السودانية بالوحدة و الإستقرار و الرفاه . adeng2132@gmail.com
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة