يقول الله سبحانه وتعالى: {أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ} محمد: (٢٤) ويحث الرسول أمته علي التبليغ عنه: (بلّغوا عني ولو آية). ((بتدبر عميق)) لآيات الحج بكلٍ من سورتي البقرة والحج: يتبين لنا مشهدٌ الحج مختلفاً تماماً عمّا ألفناه في القرنين ١٤ و١٥ للهجرة. المشهد الغائب الذي يظهر من تدبر آيات الحج، ينطبق عليه الحديث الشريف: (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ)
الحج ليس عرفة، وإنما هو يوم النحر: هناك علماء منهم الإمام مالك ذهبوا إلى أن يوم الحج الأكبر ليس يوم عرفة وإنما هو يوم النحر- العاشر من ذي الحجة، استناداً إلى حديث أخرجه أبو داود: يقول الرسول: (ما هذا اليوم؟)، قالوا يوم النحر، قال: (هذا يوم الحج الأكبر). وقد فسر العلماء "الأيام المعلومات" في قوله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} بأنها يوم النحر ويومان بعده. وعليه، فإن أهم مشهد هو مشهد ذبح الهدي لأن الحج أصلا .. إنما هو ذبح الهدي وتفريقه علي المساكين: إقرأ الآيتين ٢٧ - ٢٨ سورة الحج: {وَأَذِّن فِی ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ یَأۡتُوكَ رِجَالࣰا وَعَلَىٰ كُلٍ ضَامِرࣲ یَأۡتِینَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِیق•°• لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمۡ وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِیمَةِ ٱلۡأَنۡعَـٰمِۖ فَكُلُوا۟ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُوا۟ ٱلۡبَاۤىِٕسَ ٱلۡفَقِیرَ}: المعني: يا أيها الرسول أذِّن في الناس بالحج .. يأتوا ومعهم بهائم .. يذبحونها شكراً لله .. يأكلوا منها ويطعموا الفقراء .. هذا هو كل ما في الحج.
المشهد المهيب: إصطفاف البهائم للذبح: عملية ذبح الهدي لابد أن تتم بطريقة معينة فهي عبادة .. والعبادات توقيفية .. لابد أن تؤدي كيفما أمر الله. الله يريد أن يكون ذبح الهدي: في زمان معين .. ومكان معين .. وطريقة معينة لوضع البهائم عند الذبح .. مسارات حركتها دخولا وخروجا .. لحوم الذبائح والمدي الزمني لتوزيعها .. وقوف الحجيج علي ذبائحهم .. هذا كله مفصّل في آيات قرآنية؛ نذكرها:
¶ قال تعالي: {فَٱذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَیۡهَا صَوَاۤفَّۖ} الحج: (٣٦) المعني: اذبحوا بهائم الهدي، وهي مصطفة - في صفوف. لو طُبّق هذا فسيكون مشهداً عظيماً ومهيباً، لأن أعداد البهائم كبيرة، فتخيل .. كم سيكون طول الصف؟! وكم سيكون عدد الصفوف؟! هذا الإصطفاف مهم بالطبع، مثله مثل الاصطفاف للصلاة .. ففي الصلاة لا بد أن يقف الناس في صفوف ولا بد من إستقبال القبلة .. كذلك في الحج .. تحدّد أن تأتي البهائم للذبح من اتجاه معين، وتذهب في اتجاه معين: قال تعالي: {فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَـٰتࣲ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ} البقرة: (١٩٨) (فاذكروا الله عند المشعر الحرام): اذبحوا الهدي في المشعر الحرام المشعر: المذبح: (مكان الذبح)، والمشعر الحرام في مِني. ففي الحديث: (نحرت هاهنا ومنى كلها منحر) رواه مسلم. قوله: {فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَـٰتࣲ} يعني أن البهائم تأتي إلي مكان الذبح من ناحية سوق عرفات. وهناك آيات اخري، تشير إلي أن مسار الهدي المذبوح يكون في إتجاه البيت الحرام.
مشهد الفقراء: (ضيوف الرحمن): ¶ أهم لقطة في المشهد القرآني للحج .. هي لقطة "ضيوف الرحمن" هو المنظر في سوق الصفا وسوق المروة - وهي كانت ساحات كبيرة حول المسجد الحرام - منظر الطّوافين (الشحاتين) وهم يطوفون علي الحجيج يتناولون منهم لحوم الهدي؛ هؤلاء الشحاتين هم "ضيوف الرحمن": {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَاۤىِٕرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَیۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِ أَن یَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ} البقرة: (١٥٨) شعائر الله: الشعيرة هي البهيمة من بهائم الهدي، وسميت شعيرة لأنها تُشعَر: يُوضع عليها إشعار (علامة) توضح أنها أصبحت من بهائم الهدي. {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَاۤىِٕرِ ٱللَّهِۖ} يعني: أن البهائم التي في سوق الصفا وسوق المروة هي مِلكٌ لله، ولا حرج علي الفقراء والمساكين أن يأتوا فيأخذونها. عبارة (الصفا والمروة من شعائر الله): مجاز لغوي، علاقته المحلية: أطلق المحلّ، وأراد ما بداخل المحلّ؛ وهذا معروف في اللغة العربية. (الصفا والمروة وعرفة: ليس المقصود الجبال ولكنها أصلا كانت معروفة بانها أسواق مكة القريبة، أما جبل الصفا فكان معروفا بإسم جبل "أبي قبيس”، وأما جبل المروة فكان معروفا بإسم جبل "قعيقعان”. (راجع تاريخ مكة)
المتعجل هو من انتهي من توزيع صدقته: ¶ من شروط الهدي وتوزيعه: قال تعالي: ✓ {وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡدُودَ ٰتࣲۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِی یَوۡمَیۡنِ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ} البقرة: (٢٠٣) وقال تعالي: ✓ {وَلَا تَحۡلِقُوا۟ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ یَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡیُ مَحِلَّهُۥۚ} البقرة: (١٩٦) في الآية الأولي تقدير الكلام: ((فمن تعجل في يومين [لمن اتقي] فلا إثم عليه)) والتقوي هنا تقوي اليد وليست تقوي القلب: قال تعالي: {لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤُها ولكن يناله التقوي منكم} الحج: (٣٧) بمعني: أن الله لا تبلغه اللحوم ولا الدماء وإنما تبلغه صدقتكم أي أن تصدُّق الناس هو ما يأخذه الله: قال تعالي: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} التوبة: (١٠٤) وفي حديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) ويقول تعالى: {وسيجنبها الأتقي•°• الذي يؤتي ماله يتزكي} الليل: (١٧-١٨) ففي كل هذه النصوص تشير كلمة "التقوي" إلي الصدقة والتصدق. إذن فالذي يجعل الحاج يمكث يومين أو ثلاثة هو توزيع صدقته: {وَلَا تَحۡلِقُوا۟ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ یَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡیُ مَحِلَّهُۥۚ} فلو انتهي من توزيع ذبيحته في يومين، يمكنه التحلل من الإحرام والإنصراف؛ وإلا انتظر يوماً ثالثاً. وقد أُجيز له أن يأكل من لحم الشعيرة التي يقوم علي أمرها: قال تعالي: {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير}
تسمين الشعائر وترويتها وسياقتها: ¶ ايضاً من شروط الهدي التسمين والتروية: التروية لم تذكر في القرآن؛ لكن طالما أن هناك يوم يسمي "يوم التروية"، فلا بد أنه متعلق بتروية البهيمة، فمن المعروف أن البهيمة قبل أن تذبح يجب أن ترتوي من الماء، حيث يفيد ذلك في سهولة السلخ وجودة اللحم. أما بالنسبة للتسمين فقد أشار القرآن إلي تسمين بهائم الهدي في ثلاثة مواضع: ١/ قال تعالي: {وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰۤىِٕرِ ٱللَّهِ} الحج: (٣٦) جاء في لسان العرب: (وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: بَدَنة وبُدْن، وَإِنَّمَا سُمِّيت بَدَنةً لأَنها تَبْدُنُ أَي تَسْمَنُ) وَفِي حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ: (قِيلَ لَهُ إِنَّ أَهلَ العِراق يَقُولُونَ إِذا أَعْتَقَ الرجلُ أَمَتَه ثُمَّ تَزوَّجها كَانَ كمَنْ يَرْكَبُ بدَنتَه؛ أَي مَنْ أَعْتَقَ أَمتَه فَقَدْ جَعَلَهَا مُحرَّرة لِلَّهِ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ البَدَنةِ الَّتِي تُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي الْحَجِّ فَلَا تُرْكبُ إِلَّا عَنْ ضرورةٍ) ٢/ {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} الحج: (٣٢) قيل في التفسير: شعائر الله هي بهائم الهدي؛ وتعظيمها تسمينها. ٣/ {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً؛ وعلي كلٍ ضامر} أي يأتوك راجلين (مشاة)، وبيد كل منهم بهيمة ضامرة: يعني سمينة؛ فالتضمير نوع من التسمين: تُجوّع فيه البهيمة، ثمّ تعطي كميات وافرة من العلف؛ فتسمن. ∆وفي الآية دليل كذلك علي أن البهيمة تُساق سوقا ولا تُركب: {يأتوك رجالاً.. وعلي كلٍ ضامر}: يأتوك مشياً، كل منهم يسوق بهيمة سمينة. ++ بعض العلماء المعاصرين تكلم عن "سياقة الهدي" علي أنها سُنّة اندثرت.
التلبية: ماذا تعني: لبيك .. لبيك .. إن الحمد والنعمة لك: لقد قال الله لنبيه: {وأذن في الناس بالحج يأتوك} (يأتوك): يعني (يأتوك) أنت أيها النبي: لكي تنظم لهم أمر الهدي؛ لم يقل: (يأتونني) لأن الله ليس في مكة؛ وكون بيته الحرام في مكة، يعني بيت الله الذي يُعبد فيه؛ وكل المساجد في كل العالم تسمي "بيوت الله" فالحاج ذهب لكي يلبي طلبا معينا، طلبه منه الله: (أحضِر كذا، ووزِّعه هكذا) فالحاج تلازمه بهيمته، أينما ذهب، فكأنه كل ما يلبي يقول لله: "أنا لبيت أمرك وأحضرت الشيء الذي قلت أحضِروه"؛ وهو يستمر في ذلك حتي بعد أن تصبح البهيمة لحماً، وإلي أن يأتي "ضيوف الرحمن" فيأخذونها منه، وهو في حالة تلبية: "النعمة لك .. النعمة لك": يهتف ويؤكد: أن ما يوزّعه من لحوم، هي ملك لله بالأصالة، أراد أن يطعم بها عباده الفقراء.
توجيه الدعوة لضيوف الرحمن: والله قد وجه الدعوة للفقراء والمساكين في عدة مواضع؛ وغالبا ما يكون توجيه الدعوة حتي قبل توجيه الأمر للمتصدقين بإحضار الهدي: ١/ {لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمۡ وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ ...} الحج: (٢٨) أي: ((لينتفعوا .. ويذبحوا)) فالإنتفاع للفقراء، والذبح للحجيج المقتدرين ٢/ {لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُوا۟ فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَـٰتࣲ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ} فالجزء الأول من الآية معناه: ((لا حرج عليكم أن تأخذوا ما تفضل به ربكم عليكم من ذبائح الهدي)) ٣/ {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَاۤىِٕرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَیۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِ أَن یَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ} الجزء الثاني من الآية معناه: ليس عليكم حرج في الطواف علي لحوم الشعائر في منطقة الصفا ومنطقة المروة (حول البيت العتيق)، وأخذ حاجتكم منها. ٤/ {ثُمَّ لۡیَقصوا۟ تَفَثَهُمۡ وَلۡیُوفُوا۟ نُذُورَهُمۡ وَلۡیَطَّوَّفُوا۟ بِٱلۡبَیۡتِ ٱلۡعَتِیقِ} الحج: (٢٩): التطواف حول البيت العتيق هو تطواف المساكين لأخذ لحوم الهدي؛ وهو نفس معني التطواف حول الصفا والمروة.
المواقيت المكانية هي في الحقيقة مناسك: (مذابح): من الواضح أن الله بتشريعه الحج يريد إطعام عباده الفقراء؛ فهل الفقراء لا يوجدون إلا في مكة؟؟!! خاصة وأن العلماء يفتون بعدم جواز نقل لحوم الهدي خارج مكة، بحجة أن الله أوجب الهدي فقط لفقراء مكة ¡¡ ولكن الآن نسمع الناس في كثير من بلدان العالم - حتي الغنية- صاروا يشتكون أن فقراءهم أحوج إلي لحوم هدايا حجيجهم، وأنهم أولي بها. وتشريع الحج عالج هذا الموضوع في سورة الحج: فبعدما ذكر أن لحوم الذبائح محلها إلي البيت العتيق، ذكر أن كل جماعة من الناس خصص لهم مكان للذبح: (منسك)، لكي يذبحوا فيه شكرا لله: {لَكُمۡ فِیهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰۤ أَجَلࣲ مُّسَمࣰّى ثُمَّ مَحِلُّهَاۤ إِلَى ٱلۡبَیۡتِ ٱلۡعَتِیقِ∆ وَلِكُلِّ أُمَّةࣲ جَعَلۡنَا مَنسَكࣰا لِّیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِیمَةِ ٱلۡأَنۡعَـٰمِۗ} الحج: (٣٣-٣٤) وهذا لأن الفقراء يوجدون في كل مكان، ولذلك فإن ما يسمي بالمواقيت: الجحفة، ذو الحليفة، يلملم، قرن المنازل، ذات عرق، هي في حقيقتها أماكن لذبح الهدي، ومعروف أن الحج فرض في السنة السادسة من الهجرة، لكن النبي لم يحج إلا في السنة العاشرة، مع أنه طوال هذه السنوات، كان يأتي إلي مكة معتمراً في ذي القعدة، فهذا لأنه كان يذبح في ذي الحليفة، ولهذا ارتبط لبس الإحرام بهذه المذابح، فلباس الإحرام ليس إلا ثوب خارجي (واقي) لحماية الحاج من الدماء و الشحوم التي تتطاير عند السلخ والتكسير والتقطيع، مثل "المريلة" أو "الأوفرول" الذي يرتديه الجزارون والطباخون، ولا حاجة للحاج بأن يأتي شبه عارٍ، فهذا العُري كان من فعل الجاهلية حينما كانوا يطوفون حول الأصنام. كون هذه المواقيت هي في الأصل مذابح أو مناحر، يفسر لنا لماذا يُجازي المتمتع بأن يفدي أو يصوم، إذا تأخر في العمرة إلي أن جاءت أيام الحج، حتي إذا كان محصرا، -أي منعه عدم استتباب الأمن من رجوعه إلي بلده- فهذا لأنه يزاحم أهل مكة في ذبحهم وذبائحهم. فتأمل جيدا العبارة التي وردت في الآية: {... ذَ ٰلِكَ لِمَن لَّمۡ یَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِی ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ} البقرة: (١٩٦). وكون المواقيت مناحر يفسر لنا كذلك، لماذا أمر الرسول مرافقيه في عمرته التي حج فيها، بأن لا يلبوا حجاً مع العمرة، بينما لبي هو وعلي بن أبي طالب، فهذا إنما لأنهما أصلا من مكة، ويجوز لهما الذبح في مِنحر مكة، فالمشعر الحرام بمني هو منحر لأهل مكة فقط، و ذو الحليفة هو مشعر (منحر - مذبح) أهل المدينة، وهكذا ..الخ، وقد نازع الأنصار الرسول في هذا الأمر، فأنزل الله قرآناً يمنعهم من ذلك: {لِّكُلِّ أُمَّةࣲ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا یُنَـٰزِعُنَّكَ فِی ٱلۡأَمۡرِۚ} الحج: (٦٧) أي فلا ينازعنك في أمر المناسك؛ وهذا واضح من السياق. إنّ من أكبر سقطات المفسرين، هو تفسيرهم لعبارة (لكل أمة) بأن المقصود: الأمم السابقة !! خاصة وأن أمر تعدد المناسك تكرّر مرتين: في الآية (٣٤)، والآية (٦٧) من سورة الحج: •°• {وَلِكُلِّ أُمَّةࣲ جَعَلۡنَا مَنسَكࣰا لِّیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ} •°• {لِّكُلِّ أُمَّةࣲ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ} وكلمة (أمة) تأتي بمعني "جماعة من الناس"، وليس بالضرورة أن تعني (أمة سابقة) وليُرجع في ذلك إلي القرآن نفسه: ✓ {وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةࣱ یَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَیۡرِ وَیَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ} آل عمران: (١٠٤) ✓ {مِّنۡهُمۡ أُمَّةࣱ مُّقۡتَصِدَةࣱۖ وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ سَاۤءَ مَا یَعۡمَلُونَ} المائدة: (٦٦) ✓ {وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةࣱ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ} الأعراف: (١٦٤) ✓ {تَتَّخِذُونَ أَیۡمَـٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَیۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِیَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ} النحل: (٩٢)
ومن أشهر المناسك خارج السعودية القائمة حتي الآن، هو منسك سيدي بوخيار بإقليم الحسيمة بالمغرب. [لكن - للأسف- موسم الحج هناك أيضا طاله التحريف - بالطبع]
بين المشهد الغائب والمشهد الحاضر: لقد اتضحت الآن صورة المشهد الغائب لفريضة الحج؛ وندعو الناس لمقارنة مشهدي الحج: الحاضر والغائب، من حيث الهدف والحكمة من التشريع. فالمشهد الغائب مشهد تكافلي عظيم، يجسد مكارم الأخلاق التي بعث محمد لإتمامها، وهو يبين كيف يعمل الإسلام علي ردم الفجوة وإزالة الجفوة والجفاء بين الأغنياء والفقراء. أما المشهد الحاضر فكله تقديس للحجارة، فمنذ البداية: طواف حول حجارة الكعبة، ثم السعي بين حجارة الصفا وحجارة المروة، وقبل السعي تقبيل الحجر الأسود، ثم إلي حيث الجبل العظيم عرفات، ذو الحجارة البيضاء، التي تتحول إلى سوداء، بعد نزول الناس منه عند مغيب الشمس، والذي يصعد عرفات يحاول الوصول إلى الصخرات العظام، وحتي المشعر الحرام (المذبح) قالوا أنه جبل في مزدلفة، ثم المشهد الأخير الذي يموت الناس فيه بالتدافع، وهو الإستعانة بالحجارة لرجم الشيطان، طيلة ثلاثة أيام !! كيف يحدث هذا .. وقد قام عمر بن الخطاب بقطع الشجرة، التى تمت تحتها بيعة الرضوان، لأن الناس كانوا حديثى عهد بالوثنية، فكيف بالرسول نفسه، أن يؤذن في الناس بحج كله تقديس للأحجار: طواف حول الأحجار، سعي بين الأحجار، تقبيل للأحجار، ركوب علي الأحجار، رمي بالأحجار، أنظر للعظمة التي وجدتها حجارة مكة، بعد وفاة الرسول. وانظر كيف تم التحايل والإنحراف، ليعود الناس لمشهد العراة وهم يطوفون حول الحجارة، لم يكن هذا ليحدث والرسول شاهد بين الناس، وهذا ما يقوله عندما يدرك يوم القيامة كيف انحرفت أمته، فعندما يقول: (أمتي .. أمتي) - كما جاء في الحديث، ويقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، قال: (فأقول كما قال العبد الصالح عيسى: {وَكُنتُ عَلَیۡهِمۡ شَهِیدࣰا مَّا دُمۡتُ فِیهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّیۡتَنِی كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِیبَ عَلَیۡهِمۡۚ} المائدة: (١١٧) وفي القرآن يقدم الرسول تعليل واضح لسبب ضلال أمّته: {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ یَـٰرَبِّ: إِنَّ قَوۡمِی .. ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورࣰا} الفرقان: (٣٠)
¶ وختاما نذكر بأننا جميعا في انتظار التأويلات الصحيحة لآيات القرآن، التي ستظهر يوم القيامة؛ وهو قريب وليس بعيد: {هَلۡ یَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِیلَهُۥۚ یَوۡمَ یَأۡتِی تَأۡوِیلُهُۥ یَقُولُ ٱلَّذِینَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَاۤءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ}
ولذلك فهذه دعوة لإحقاق الحق، وللتبليغ عن الرسول: \/ {إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ یَنصُرۡكُمۡ} \/ {وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلۡحَقِّ} ألا هل بلغت .. اللهم فاشهد.
□■□■□■ تذكرة متكررة: نذكّر المظلومين بالدعاء علي الظالمين فهو دعاء لا شك مستجاب الذين أشعلوا نار الحرب وكل من نفخ فيها ومن أخرجوا الناس من ديارهم بغير حق وسفكوا الدماء وانتهكوا الأعراض وأخذوا الممتلكات وساموا الناس سوء العذاب
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة