عرض كتاب د. محمد محمود: “الرؤية القرآنية — قراءة تحليلية نقدية”
مقدمة:
ارسل لي الصديق العزيز والكاتب المجتهد د. محمد محمود كتابه الجديد الذي طال انتظاره، وجاء على قدر ما كان يُنتَظر منه بل أكثر. والكتاب بعنوان : "الرؤية القرآنية — قراءة تحليلية نقدية "، وهو يعالج بعمق وتفصيل احد اهم الكتب في تاريخ المسلمين والبشرية، أي القرآن الكريم.
في هذا الكتاب يُتمّ د. محمد محمود ما أبتدره في عمله السابق: "نبوة محمد: التاريخ والصناعة"، الذي اخرجه عام ٢٠١٣، غير أنه هذه المرة يرتقي بمشروعه النقدي إلى مستوى أعمق وأشمل. فإذا كان الكتاب الأول يتناول صاحب النبوة، فإن الكتاب الجديد يتناول منتَجها الأول والكبير، أي القرآن، باعتباره نصًّا تاريخيًّا وظاهرةً إنسانيةً وكونًا معرفيًّا قائمًا بذاته.
الكتاب في سطور:
يقع الكتاب في 688 صفحة، وقد صدر في طبعته الثانية عام 2025 عن مشروع الدراسات النقدية للأديان في لندن، بعد أن صدرت طبعته الأولى عن دار الجمل (بيروت - بغداد). وإذ يسمى الكاتب عمله التحليلي النقدي بـ" الرؤية القرآنية" فهو يضع في مركز اهتمامه "الرؤية الكونية" للقرآن، أي جملة المواضيع الكبرى التي شكّلت لبنات الدين الإسلامي في نشأته وتطوّره.
ويتوزّع الكتاب على ثلاثة عشر فصلاً مُنظَّمة في أربعة أقسام رئيسية:
القسم الأول — المصحف: ويضمّ فصلين حول الجمع والمصدر والنص، ويتتبّع المسار التاريخي لنشأة القرآن منذ شذراته الشفهية الأولى حتى جمعه في مصحف عثماني.
القسم الثاني — الثالوث: ويضم ثلاثة فصول عن الإله والشيطان والإنسان، وهو القسم الذي يُشكّل العمود الفقري للرؤية الكونية القرآنية.
القسم الثالث — المسير: ويتناول قضايا الشعائر والشريعة والأخلاق في القرآن، أي وسائل الإنسان لإرضاء الله والعودة إلى الجنة.
القسم الرابع — المصير: ويبحث في مباحث القيامة والجنة والنار، وهي العناصر الأخروية الكبرى في البنية اللاهوتية القرآنية.
ويُختتم الكتاب بخاتمة نقدية وتذييل وملحقَين: الأول حول المُحدَّثين وإشكاليات القرآن، والثاني عن أصوات القرآن، فضلاً عن فهرس شامل وقائمة مراجع وافية.
المنهج: القرآن كنصٍّ إنساني تاريخي:
لا يُخفي محمد محمود منهجه بل يُعلنه بجلاء منذ سطور المقدمة، أن القرآن — كالتوراة والأناجيل — نصٌّ إنساني، ويخضع تبعًا لذلك لنفس المناهج التحليلية والنقدية التي تُطبَّق على سائر النصوص الإنسانية. فقدسية الكتب "المقدسة" في نظر الكاتب ليست خاصية جوهرية تُميّز هذه النصوص نوعيًّا عن غيرها، بل هي صفة مكتسَبة عبر إجراءَين: ادّعاء داخلي من النص ذاته، وادّعاء خارجي تكرّسه المؤسسة الدينية التاريخية المسنودة بالدولة.
ويستند محمد محمود في قراءته على أربعة مفسّرين كبار يعتبرهم "المصادر العليا" للتفسير، أي الطبري صاحب جامع البيان، والزمخشري صاحب الكشاف، والطبرسي صاحب مجمع البيان، والرازي صاحب التفسير الكبير. وهؤلاء المفسرون الأربعة يجمعون بين المذاهب والتيارات الكبرى في التفسير الإسلامي، أي المذهبين السني والشيعي، والتيارين المعتزلي والأشعري. وإلى جانب هذه المصادر، يوظّف الكاتب صحيح البخاري وصحيح مسلم وسيرة ابن هشام والتراث الحديثي في عمله الضخم والموسوعي.
وتبرز أهمية منهج الكاتب في إعتماده على المصادر الأصلية، وفي مقارنته الدائمة بين النصوص التوراتية والانجيلية من جهة والنصوص القرآنية من الجهة الأخرى، مما يعطي القاريء الإطار العقيدي والتاريخي السليم لنشوء وتطور المفاهيم القرآنية، وتشابهها وتمايزها عن مفاهيم تلك الديانات الكبرى التي سطّرت تاريخ الشرق الاوسط والعالم.
ثلاثة محاور كبرى في الكتاب:
يتوزع الكتب في تقديري على ثلاثة محاور كبرى هي التالية:
أولاً: تاريخ نشأة النص وجمعه
يُقدّم الكتاب مقاربة تفصيلية نادرة لتاريخ القرآن في ثلاث مراحل: الإنشاء (على امتداد سنوات النبوة)، الجمع (في عهد أبي بكر وعثمان)، التثبيت (المصحف العثماني). ويتوقف المؤلف بدقة عند الطبيعة الشفهية-السماعية للقرآن في مرحلته الأولى، ومشكلات الذاكرة الجمعية والتعددية في القراءات، والدور الفاعل للصحابة في تشكيل النص — بما في ذلك ما يُعرف بـ"موافقات عمر" وما تكشفه من تفاعل بين الوحي والواقع الاجتماعي.
ويناقش الكتاب بعمق إشكالية النسخ وإبطال الآيات، موثّقًا أمثلة واضحة على تغيير النص القرآني استجابةً لحوادث آنية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة "الكلام الإلهي" ومدى ثباته أو قابليته للتحوّل.
ثانياً: الثالوث الكوني (الله — الشيطان — الإنسان)
يرى محمد محمود أن القرآن يقدّم لنا "قصةً خلاصية" تنسجها العلاقة الدرامية بين هذا الثالوث، حيث الله يخلق الإنسان، والشيطان يُغويه، والإنسان يسقط ويُهبَط من الجنة إلى الأرض، ثم تبدأ مسيرته نحو مصيره الأخروي. إن هذا الهيكل الدرامي ليس أصيلاً في القرآن وحده، بل يمتد جذوره عميقاً في الموروث التوراتي والإنجيلي، وقد استُدمج في القرآن عبر عملية تحوير وتكييف وفق رؤيته الخاصة.
ثالثاً: إشكالية الدراسات القرآنية الحديثة
يُشخّص المؤلف في ملحقَيه أزمة حقيقية وهي الفجوة الضخمة بين الأكاديميا الغربية في دراسة القرآن والدراسات القرآنية في العالم العربي والإسلامي. ويُلاحظ أن الدراسات الغربية النقدية — ممثَّلةً في أعمال نورا بنتورين، وغابرييل ساو روبينسون، وأنجيليكا نويفيرت وغيرهم — باتت تُشكّل جسمًا معرفيًّا متراكمًا ومتطورًا، في حين لا يزال الخطاب الأكاديمي في العالم العربي والإسلامي يصطدم بقيود العقيدة والمؤسسة الدينية.
خاتمة:
لقد عرفتُ الصديق محمد محمود وأتابع مسيرته الفكرية منذ عقود، اي منذ كان يصدر نشرة "اليقظة" النقدية في السودان. أن ما يميّز د. محمود هو نزاهة منهجه وجسارة أسئلته وهدوء أسلوبه في آنٍ واحد، فهو لا يكتب للإثارة أو الاستفزاز، بل يكتب من موقع الباحث المُدرَّب الذي يُطبّق على القرآن ما أجازه العقل الغربي على "الكتاب المقدّس" من قبل.
إن هذا الكتاب الضخم والممتع في آن، هو في جوهره رسالة إلى القارئ السوداني والعربي والمسلم، إن القراءة النقدية والمقارنة للأديان ليست هجومًا عليها، بل هي جسرٌ إلى فهمٍ أعمق وأكثر صدقًا مع النصوص ومع النفس ومع المجتمع.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة