حين تصبح السيادة سؤالاً موجعاً في وجه سلطة الأمر الواقع….
ليس أقسى على الشعوب من أن ترى أبناءها يسقطون على تراب وطنهم بينما يتردد صدى الصمت في أروقة السلطة. فالأوطان لا تُهان فقط عندما تُنتهك حدودها، بل تُهان أيضاً عندما يعجز المسؤولون عن الارتقاء إلى مستوى الكرامة الوطنية التي أقسموا على حمايتها. وحين يمتزج الدم السوداني بغبار الأرض السودانية، يصبح السؤال عن السيادة سؤالاً عن معنى الدولة نفسها، وعن قيمة السلطة إذا عجزت عن الدفاع عن الإنسان والوطن
يا برهان… يا جنرال الغفلة في زمن الهوان…. وهل تستوي الذلة والشموخ؟ وما قيمتك انت شخصياً كمواطن حين ينتهك طيران دولة أجنبية أرضك ويقتل من يقاسمك تراب الوطن…..؟ وما قيمة اللقلب الذي تحب ان تتفاخر به في خيلاء كاذبة وأنت لا تستحقه ”رئيس مجلس السيادة”!! إذا كانت السيادة نفسها تنزف على مرأى ومسمع من الجميع؟ وما جدوى الألقاب حين يصبح الوطن مكشوف الظهر، مستباح الكرامة، عاجزاً عن حماية أبنائه وهم يسقطون فوق ترابه الذي ولدوا عليه وعاشوا من خيراته؟
السيادة ليست رتبة عسكرية تُعلق على الكتف يا جنرال الغفلة، وليست مقعداً في قصر الحكم، وليست صمتاً ذليلاً عند اشتداد الغضب الشعبي. السيادة هي أن يشعر المواطن أن دولته تقف خلفه كالجبل، وأن دمه ليس رخيصاً، وأن أرضه ليست ساحة مفتوحة لكل من أراد أن يعبث بها أو يختبر حدود الصمت الرسمي.
إن الأمم لا تُهان فقط عندما تُحتل أراضيها، بل تُهان أيضاً عندما يصبح الصمت الذليل هو اللغة الرسمية في مواجهة الإهانة. فالصمت أحياناً أخطر من العدوان نفسه، لأنه يمنح المعتدي شعوراً بأن الجريمة مرت بلا ثمن، وأن الدم أريق بلا حساب وإن هؤلاء الكادحين ليسوا ببشر.
أيها السادة…
في قاموس الشعوب الحية لا توجد سيادة بلا كرامة، ولا كرامة بلا موقف، ولا موقف بلا شجاعة سياسية وأخلاقية. أما أن تُنتهك حرمة الوطن ويُقتل أبناؤه ويُطلب من الناس أن يبتلعوا غضبهم وأن يواصلوا حياتهم كأن شيئاً لم يكن، فذلك ليس حكماً بل إدارة للهزيمة.
إن القانون الدولي الذي يتغنون به في المحافل ليس نصوصاً للزينة. إنه يقوم على مبدأ واضح لا لبس فيه: حرمة سيادة الدول وعدم جواز الاعتداء على أراضيها أو مواطنيها. وكل انتهاك لهذه القاعدة هو اعتداء على الدولة نفسها قبل أن يكون اعتداء على أفرادها. ومن واجب سلطة الأمر الواقع أن تدافع عن هذا الحق دفاعاً لا يعرف التردد ولا المساومة أو تتنحى جانباً لمن هم اجدر وأشجع منها.
لكن المأساة السودانية لم تعد فقط في الانتهاكات التي تقع، بل في الاعتياد عليها. أصبح الخبر الصادم يمر كخبر عابر، وأصبحت الكرامة الوطنية تُستهلك في نشرات الأخبار ثم تُطوى صفحاتها كأن شيئاً لم يحدث.
يا برهان…
إن الشعوب قد تغفر الأخطاء، لكنها لا تغفر الإذلال. وقد تصبر على ضيق العيش، لكنها لا تصبر على ضياع الكرامة. فالفقر لا يكسر الأمم كما تكسرها المهانة، والهزائم لا تقتل الأوطان كما يقتلها الاستسلام لها.
إنها تراجيديا وطن يُذبح ببطء.
إنها رائحة الموت تتسلل إلى أحلام الناس وهم يشاهدون بلادهم تتآكل من أطرافها، وكرامتهم تُسحق تحت أقدام العاجزين والمتخاذلين. إنها لحظة يدرك فيها المواطن أن الوطن قد يضيع وهو ما يزال قائماً على الخرائط، وأن السيادة قد تموت بينما تبقى الأعلام مرفوعة فوق المباني الرسمية.
لقد أصبح حضورنا كالغياب، وصوتنا كالصدى البعيد، ووجودنا كأن لم يكن. يطاردنا شعور مرير بأن الوطن الذي كان سيداً على أرضه صار يبحث عمن يدافع عن حقه في أن يكون وطناً. وأن الشعب الذي كان يملك تاريخاً من العزة والكبرياء أصبح مطالباً كل يوم بابتلاع جرعة جديدة من المرارة والإذلال.
وأي مأساة أكبر من أن يصبح الدفاع عن سيادة السودان مطلباً استثنائياً؟
وأي انحدار أشد من أن يتحول الغضب الوطني إلى تهمة، والمطالبة بالكرامة إلى مغامرة، ورفض الإهانة إلى فعل غير مرغوب فيه؟
إن الأوطان لا تُباع في الأسواق، ولا تُقاس بقيمة الذهب الذي يخرج من باطنها، ولا تُسعّر بالمصالح العابرة. الوطن روح أمة كاملة، والسيادة هي تاج تلك الروح. فإذا سقط التاج ضاعت الهيبة، وإذا ضاعت الهيبة تجرأ الجميع على الوطن.
وهل سمعتم في تاريخ البشرية شعباً اشترى الذلة بالكرامة؟
وهل عرف التاريخ أمة عظيمة صمتت طويلاً على إهانة سيادتها ثم احتفظت بمكانتها بين الأمم؟
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى خطب جديدة، ولا إلى شعارات مستهلكة، ولا إلى بيانات باردة تُكتب بحبر المجاملة. السودان يحتاج إلى رجال دولة يدركون أن السيادة ليست كلمة في اسم المنصب، بل عهد مقدس تجاه الأرض والإنسان.
فإذا ضاعت السيادة ضاع الوطن.
وإذا ضاع الوطن فلن تنفع الألقاب، ولن تشفع المناصب، ولن يبقى في الذاكرة سوى سؤال واحد:
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة