خيارات القوى السياسية السودانية: الاصطفاف مع حكومة الجيش أم تأسيس والا... الانتظار! كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 06-14-2026, 07:33 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
06-08-2026, 02:16 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 278

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
خيارات القوى السياسية السودانية: الاصطفاف مع حكومة الجيش أم تأسيس والا... الانتظار! كتبه خالد كودي

    02:16 AM June, 07 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر



    خيارات القوى السياسية السودانية: الاصطفاف مع حكومة الجيش أم تأسيس والا... الانتظار!

    7/6/2026 ، بوسطن.

    بين السياسة كما ينبغي أن تكون والسياسة كما هي
    من أكثر الأخطاء شيوعاً في تاريخ الصراعات والحروب الأهلية الاعتقاد بأن الشرعية السياسية تُنتجها الخطابات، أو أن الاعتراف الدولي وحده قادر على صناعة الوقائع على الأرض. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تُبنى بالنوايا الحسنة وحدها، ولا بالمؤتمرات وحدها، ولا بالبيانات السياسية وحدها، وإنما تتشكل من خلال تفاعل معقد بين القوة السياسية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية والقدرة على إدارة الأرض والسكان والموارد.
    Max Weberولهذا السبب ظل علماء السياسة من أمثال
    Charles Tilly يربطون الدولة بالقدرة على ممارسة السلطة الفعلية داخل إقليم محدد، بينما ربط
    Samuel Huntington نشأة الدول الحديثة بقدرتها على تنظيم القوة وإدارة الصراع واحتكار أدوات الحكم. أما
    فقد رأى أن الاستقرار السياسي لا ينتج من الشعارات بل من المؤسسات القادرة على تحويل القوة الاجتماعية إلى سلطة سياسية فعالة.
    ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الأزمة السودانية الحالية.
    فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب الشاملة، لم يعد السؤال هو من يملك أفضل البيانات السياسية أو أكثر العلاقات الدولية نشاطاً، وإنما من يملك مشروعاً سياسياً مدني وعسكري قادراً على التحول إلى واقع مستدام.

    أزمة القوى المدنية السودانية
    تتمثل المفارقة الكبرى في أن جزءاً مهماً من القوى المدنية السودانية، بما في ذلك تحالف صمود ومكوناته المختلفة من المؤتمر السوداني الي حركة عبد الواحد نور، وتحالف ما يسمونه بالتغيير الجذري بقيادة الحزب الشيوعي، وعدد من منظمات المجتمع المدني والكيانات النسوية والشبابية المرتبطة بالنخب السياسية والمهنية، لا يزال يتحرك وكأن ميزان القوى على الأرض لم يتغير منذ عام 2019
    فخلال سنوات الحرب فقدت معظم هذه القوى ثلاثة من أهم مصادر نفوذها التقليدية: ١/ قاعدة جماهيرية منظمة قادرة على الحشد والتعبئة والضغط السياسي. ٢/ سنداً عسكرياً أو أمنياً ينحاز لها في مرحلة ما ويمنحها وزناً في موازين القوة.
    ٣/ مشروعاً سياسياً جديداً يقدم معالجة مختلفة لجذور الأزمة السودانية.
    وبذلك أصبح مجالها الرئيسي اليوم هو العلاقات العامة في أروقة المنظمات والهيئات الدولية، والنشاط والإعلامي. ورغم أهمية هذه الأدوات، فإنها وحدها لا تكفي لصناعة التسويات الكبرى أو فرضها. فالعلاقات الدولية ليست بديلاً عن القاعدة الاجتماعية الفاعلة، والاعتراف الخارجي ليس بديلاً عن التنظيم السياسي، والحضور الإعلامي لا يعوض غياب النفوذ والتأثير العسكري على الأرض.

    هل تستطيع القوى المدنية وقف الحروب؟
    التاريخ يقدم إجابة واضحة: بصورة عامة من المستحيل ان تستطيع قوى مدنية مجردة من القوة السياسية الفاعلة علي الأرض، أو العسكرية أن توقف حرباً أهلية بمفردها.
    . في أنجولا لم تنهِ المنظمات المدنية الحرب، بل انتهت الحرب عندما وصلت الأطراف المسلحة إلى توازنات جديدة
    وفي موزمبيق يكن السلام نتيجة ضغوط المجتمع المدني وحدها، بل نتيجة اتفاق بين القوى المسلحة الرئيسية.
    وفي جنوب السودان لم تُنهِ الحرب المنظمات المدنية، بل جاء الاتفاق نتيجة تفاوض بين أطراف تمتلك القوة على الأرض.
    وفي جنوب افريقيا لم يكن المؤتمر الوطني الأفريقي مجرد حركة مدنية؛ بل كان حركة سياسية وعسكرية جماهيرية مدعومة بقاعدة اجتماعية واسعة وقدرات تنظيمية وأمنية وتحالفات دولية في آن واحد.
    والدرس المتكرر في كل هذه التجارب أن المجتمع الدولي يستطيع تسهيل التسويات، لكنه لا يستطيع خلق أطراف سياسية فاعلة من العدم.

    حدود الرهان على المجتمع الدولي
    تتعامل بعض القوى المدنية السودانية مع المجتمع الدولي وكأنه مصدر الشرعية وصاحب القدرة الحاسمة على تحديد مستقبل السودان.
    غير أن التاريخ المعاصر لا يدعم هذا التصور الوهم.
    فالولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي لم يتمكنوا من فرض تسويات مستقرة في:
    - الصومال لعقود طويلة
    - ليبيا بعد 2011
    - اليمن بعد 2015
    - أفغانستان بعد عشرين عاماً من التدخل الدولي
    والسبب بسيط: المجتمع الدولي قد يستطيع الضغط والوساطة والتمويل، لكنه لا يستطيع أن يحكم بدلاً عن الفاعلين المحليين
    كما قال: هنري كاسنجر: لا يمكن لأي تسوية أن تنجح إذا لم تعكس ميزان القوى والوقائع القائمة.
    ولهذا فإن الاعتقاد بأن العلاقات الدولية وحدها تمنح أي مجموعة حق تقرير مصير دولة بأكملها لا يجد سنداً قوياً في تجارب بناء الدول، وعلي ابواق الفضائيات ان تعي هذا.

    صعود واقع جديد في السودان
    المشكلة الأساسية التي تواجه كثيراً من القوى المدنية السودانية ليست ضعف أدواتها وقلة حيلتها فقط، وإنما استمرارها في التعامل مع السودان كما كان قبل الحرب- نفس الصلف والتعويل علي الحظوة.
    بينما الواقع الجديد يقول إن البلاد أصبحت تضم مشروعين سياسيين وسلطتين فعليتين تتنازعان الشرعية والنفوذ:
    الأولى هي الحكومة المرتبطة بالدولة السودانية التقليدية ومؤسساتها العسكرية والأمنية والإدارية.
    والثانية هي حكومة تأسيس التي نشأت من تحالف سياسي وعسكري ومدني جديد يسيطر على مساحات واسعة من البلاد، ويمتلك مؤسسات سياسية وإدارية وعسكرية تقدم نفسها باعتبارها مشروعاً بديلاً للدولة السودانية القديمة.
    وبغض النظر عن الموقف من أي من المشروعين، فإن تجاهل أحدهما لا يؤدي إلى اختفائه.
    فالتاريخ لا يعرف كثيراً من الأمثلة التي نجحت فيها عملية سياسية عبر تجاهل أحد الأطراف المسيطرة على الأرض!

    مشروعان لا مشروع واحد كالاتي:
    أولا: المشروع الإصلاحي
    يقوده الجيش السوداني وحلفاؤه السياسيون والمدنيون بدرجات متفاوتة.
    ويقوم جوهره على المحافظة على الدولة السودانية الحالية مع إدخال إصلاحات سياسية ودستورية عليها.
    وتشمل أولوياته:
    - وقف الحرب.
    - استعادة مؤسسات الدولة.
    - إعادة الإعمار.
    - الانتقال السياسي.
    - إصلاح المؤسسة العسكرية لا إعادة تأسيسها.
    - المحافظة على وحدة الدولة القائمة.
    ثانيا: المشروع التأسيسي
    تقوده حكومة تأسيس والقوى المتحالفة معها.
    وينطلق من فرضية مختلفة تماماً، مفادها أن الأزمة ليست أزمة حكومة أو نظام حكم، بل أزمة دولة تأسست على اختلالات تاريخية عميقة.
    ولذلك يركز على:
    - المبادئ فوق الدستورية
    - العلمانية
    - العدالة التاريخية
    - إعادة توزيع السلطة والثروة
    - اللامركزية العميقة
    - حق تقرير المصير
    - إعادة تأسيس الجيش
    - إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم

    خيارات القوى المدنية
    في ضوء التحولات التي أفرزتها الحرب، تبدو الخيارات أمام القوى المدنية السودانية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
    الخيار الأول هو الاصطفاف مع المشروع الإصلاحي الذي تقوده مؤسسات الدولة السودانية القائمة، وفي مقدمتها الجيش السوداني. ويتطلب ذلك أن تتجاوز القوى المدنية الإصلاحية خلافاتها التنظيمية والسياسية الثانوية، وأن تتوحد في كتلة واحدة تحمل رؤية مشتركة تقوم على الحفاظ على الدولة الحالية وإصلاحها، والدفع نحو حكم مدني ديمقراطي، وتشكيل حكومة انتقالية مدنية بالشراكة مع المؤسسة العسكرية، وإصلاح مؤسسات الدولة دون تغيير بنيتها الأساسية. وعندها تدخل هذه الكتلة في تفاوض مع قوى تأسيس باعتبارها ممثلة لمشروع إصلاح الدولة القائم.
    أما الخيار الثاني فهو الاصطفاف مع المشروع التأسيسي والانخراط في عملية إعادة بناء الدولة السودانية من جذورها، عبر المشاركة في صياغة عقد سياسي جديد يعالج قضايا الدولة المؤجلة منذ الاستقلال، بما في ذلك العلاقة بين الدين والدولة، والعدالة التاريخية، وإعادة توزيع السلطة والثروة، ومستقبل المؤسسة العسكرية، وشكل الحكم في السودان.
    أما الخيار الثالث فهو الاستمرار في موقع الانتظار، والرهان على أن النشاط الدبلوماسي والعلاقات الخارجية يمكن أن تعوض غياب النفوذ الفعلي على الأرض أو أن تمنح هذه القوى موقع القيادة السياسية عبر الاعتراف الدولي وحده. غير أن هذا الخيار يظل الأضعف والأقل واقعية، لأن الشرعية السياسية لا تُمنح من الخارج، بل تُبنى من خلال التأثير الفعلي في المجتمع وفي موازين القوى القائمة.
    فالحرب أعادت تشكيل الواقع السياسي وخلقت مراكز قوة وفاعلين جدداً لا يمكن تجاوزهم. ومع مرور الوقت يصبح هذا الواقع هو نقطة الانطلاق لأي تسوية جادة، لا موازين ما قبل الحرب ولا الرغبات السياسية.
    لذلك فإن السؤال الذي يواجه القوى المدنية اليوم ليس كيف تحافظ على حضورها الإعلامي أو الدبلوماسي، بل كيف تحدد موقعها من المشروعين المتنافسين على مستقبل السودان. فكلما طال أمد الصراع، ضاقت مساحة الوقوف في المنطقة الرمادية، وأصبح الاختيار أكثر إلحاحاً: إما الانضمام إلى مشروع إصلاح الدولة القائمة، أو الانخراط في مشروع إعادة تأسيسها.

    ماذا على تأسيس أن تفعل؟
    على حكومة تأسيس أن تنطلق من قراءة واقعية لطبيعة الصراع السياسي الدائر في السودان. فجزء كبير من النخب السياسية والمدنية التقليدية ما زال، بدرجات متفاوتة، منحازاً إلى المحافظة على البنية الأساسية للدولة السودانية الموروثة، حتى عندما يرفع شعارات التغيير والإصلاح- هذا ما تعودوا عليه. ذلك لأن كثيراً من هذه القوى نشأ داخل مؤسسات السودان القديم، واستمد نفوذه وشرعيته من مراكز القوة التي أنتجتها تلك الدولة، ولذلك ينظر بعين القلق أو الريبة إلى أي مشروع يسعى إلى إعادة تأسيسها بصورة جذرية.
    ولهذا ينبغي على تأسيس ألا تفترض أن هذه القوى صديقة، او حليف طبيعي لمشروعها، ولا أن الخلاف معها مجرد سوء تفاهم سياسي يمكن تجاوزه بسهولة. فبالنسبة لقطاعات واسعة من النخب الإصلاحية، يمثل مشروع التأسيس تهديداً مباشراً للتوازنات التاريخية التي قامت عليها الدولة السودانية، وللمواقع السياسية والاجتماعية التي تشكلت داخلها وبالتالي لمصالحها. ومن ثم ستعمل هذه القوى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على مقاومة أي تحول جذري يمس مراكز القوة التقليدية أو يعيد توزيع السلطة والثروة على أسس جديدة.
    لكن مواجهة هذا الواقع لا تكون بالدخول في صراعات خطابية مع هذه النخب، ولا بالاكتفاء بالشعارات السياسية، وإنما بإثبات القدرة العملية على بناء بديل أفضل.
    فإذا أرادت حكومة تأسيس أن تتحول من تحالف سياسي وعسكري إلى مشروع دولة فاعلة قابل للحياة والاستمرار، فعليها أن تركز على الاتي:
    - الالتزام بالمبادئ فوق الدستورية وبميثاق تأسيس.
    - بناء مؤسسات مدنية مستقرة وفعالة.
    - تقديم خدمات حقيقية للمواطنين في مناطق سيطرتها.
    - تطوير نموذج حكم يتمتع بالكفاءة والشفافية والمساءلة.
    - توسيع قاعدتها الاجتماعية خارج دوائرها التقليدية.
    - استقطاب الكفاءات والخبرات القادرة على إدارة الدولة الحديثة.
    - إثبات قدرتها على إدارة التنوع القومي والثقافي والديني عملياً لا نظرياً.
    - تحويل مبادئها السياسية إلى سياسات ومؤسسات ملموسة يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.
    ففي نهاية المطاف، لا تُحسم معارك بناء الدول بالبيانات السياسية وحدها، ولا بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بالقدرة على الحكم. والتاريخ مليء بحركات امتلكت السلاح وفشلت في بناء الدولة، كما أنه مليء بحركات بدأت كقوى متمردة ثم اكتسبت الشرعية لأنها نجحت في تقديم نموذج حكم أكثر عدالة وكفاءة من النموذج الذي كانت تعارضه.
    لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام تأسيس ليس كسب المعارك السياسية أو العسكرية فقط، بل إثبات أنها قادرة على بناء دولة أفضل من الدولة التي تسعى إلى تجاوزها.

    ماذا على القوى المدنية الوحدوية أن تفعل؟
    إذا كانت هناك قوى سياسية ومدنية تؤمن حقاً بوحدة السودان، فعليها أن تبدأ بالاعتراف بأن الحرب لم تغيّر موازين القوى العسكرية فحسب، بل غيّرت السودان نفسه. فالدولة التي تشكلت تحت هيمنة المركز لعقود طويلة تواجه اليوم واقعاً جديداً، برزت فيه قوى سياسية واجتماعية وعسكرية لم يعد ممكناً تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها مجرد أطراف هامشية.
    ومن ثم، فإن الدفاع عن وحدة السودان لا يكون بالتمسك بصيغ قديمة فقدت قدرتها على الاستمرار، ولا بالرهان على الضغوط الخارجية أو انتظار عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه. بل يبدأ بالتعامل الجاد مع التحولات التي أفرزتها الحرب، والانخراط في مشروع سياسي يعترف بالواقع الجديد ويسعى إلى توجيهه نحو وحدة طوعية أكثر عدلاً واستدامة.
    كما أن البقاء في موقع التردد أو الاكتفاء بالمراقبة من الخارج لن يمنح هذه القوى وزناً أكبر، بل سيجعلها أقل تأثيراً في صياغة مستقبل البلاد. فإذا كانت ترى أن مشروع التأسيس يحتاج إلى تطوير أو توسيع، فإن الطريق إلى ذلك هو المشاركة والحوار والتأثير من داخله، لا المقاطعة أو الانكفاء أو محاولة عزله او نكرانه.
    فالوحدة المستدامة لا تُبنى على إنكار التحولات أو استعادة الماضي، وإنما على العدالة السياسية، والاعتراف المتبادل، وإعادة تأسيس العلاقة بين مكونات البلاد على أساس الرضا الطوعي والمواطنة المتساوية. والسؤال الذي يواجه هذه القوى اليوم ليس ما إذا كانت توافق على الواقع الجديد أم لا، بل ما إذا كانت تريد المساهمة في تشكيله وتوجيهه، أم تركه يتشكل من دونها.

    ماذا على الآلية الرباعية والخماسية أن تفعل؟
    إذا كانت الآلية الرباعية والخماسية جادة في دعم تسوية مستدامة للأزمة السودانية، فعليها أن تنطلق من الواقع الذي أفرزته الحرب، لا من التحالفات والعلاقات التي كانت قائمة قبلها. فالحرب لم تغيّر موازين القوى العسكرية والسياسية فحسب، بل أفرزت مشاريع متنافسة حول طبيعة الدولة السودانية ومستقبلها. وأي عملية سياسية تتجاهل هذه الحقيقة، أو تحاول اختزال الأزمة في ترتيبات انتقالية أو تقاسم للسلطة، ستكون محدودة الجدوى ومعرضة للفشل.
    لذلك، ينبغي أن يتركز دور الآلية على تشجيع القوى السياسية والمدنية السودانية على إعادة تنظيم نفسها وفق مواقفها من القضايا التأسيسية الكبرى، لا وفق التحالفات التاريخية أو الاصطفافات التقليدية. فالتفاوض الجاد لا يتم بين عشرات المجموعات المتداخلة والإغراق، وإنما بين مشاريع سياسية واضحة وواقعية تمتلك رؤى محددة للدولة ومستقبلها.
    كما ينبغي على الآلية أن تدرك أن القضايا الجوهرية في السودان ليست بالضرورة تلك التي ظلت النخب القديمة تطرحها باعتبارها أولويات المرحلة، مثل ترتيبات الانتقال أو توزيع المناصب أو تشكيل الحكومات. فجوهر الأزمة السودانية أعمق من ذلك، ويتعلق بأسئلة تأسيسية ظلت دون حسم منذ الاستقلال: طبيعة الدولة، والعلاقة بين الدين والدولة، والمواطنة المتساوية، والعدالة التاريخية، واللامركزية الجذرية، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، وحق الشعوب في تقرير مستقبلها داخل إطار وطني عادل وطوعي.
    وعليه، فإن الدور الأكثر فاعلية للآلية يتمثل في دعم إعادة الاصطفاف السياسي حول هذه القضايا التأسيسية، وتشجيع الحوار بين المشاريع المتنافسة على أساس الندية والاعتراف المتبادل، ونقل النقاش من تقاسم السلطة إلى مناقشة أسس الدولة نفسها
    إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه الآلية هو محاولة إدارة الأزمة بالأدوات والمقاربات التي أخفقت خلال العقود الماضية. أما الطريق الأكثر واقعية فهو مساعدة السودانيين على الانتقال من التفاوض حول الحكومات إلى التفاوض حول الدولة، ومن الصراع على السلطة إلى الحوار حول الأسس الدستورية والسياسية التي يمكن أن تؤسس لسلام عادل ووحدة مستدامة واستقرار طويل الأمد.

    أخيرا: لقد تجاوز السودان المرحلة التي يمكن فيها لأي قوة سياسية أن تدّعي تمثيل البلاد بمجرد امتلاكها خطاباً إعلامياً أو شبكة علاقات دولية. فالحرب أعادت رسم الخريطة السياسية والعسكرية والاجتماعية بصورة عميقة.
    واليوم يقف السودان أمام حقيقة جديدة: هناك مشروع إصلاحي يسعى إلى المحافظة على الدولة القائمة مع إصلاحها، وهناك مشروع تأسيسي يسعى إلى إعادة بناء الدولة من جذورها.
    أما القوى المدنية التي لا تنتمي بوضوح إلى أي من المشروعين، فستجد نفسها عاجلاً أو آجلاً أمام سؤال لا يمكن تأجيله إلى الأبد: هل تريد المشاركة في تشكيل السودان القادم، أم الاكتفاء بالتعليق عليه من الخارج؟

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de