لقد دفع شرق السودان في مرحلة سابقة ثمناً باهظاً لمؤتمر سنكات الذي رعته الحكومة آنذاك، وشارك فيه المتمرد حميدتي بصفته نائباً لرئيس مجلس السيادة. ولم تكن نتائج ذلك المؤتمر سوى مزيد من التوتر والانقسام، بينما كان الثمن الحقيقي من دماء أبناء الشرق ووحدتهم واستقرارهم.
واليوم، يبدو أن المشهد يعيد نفسه بصورة مختلفة، فبعد مؤتمر أروما الذي جاء برعاية عضو مجلس السيادة الدكتورة نوارة، عادت إلى السطح ذات الخطابات والدعوات المشبوهة التي تُرفع تحت عناوين براقة، بينما تخفي وراءها أجندات لا تخدم أهل الشرق ولا قضاياهم الحقيقية.
إن تكرار هذه الأحداث يؤكد حقيقة باتت واضحة لكل ذي بصيرة، وهي أن السياسات الحكومية القائمة على إدارة الأزمات وصناعة الاستقطاب لا تزال تمثل الخطر الأكبر على وحدة المجتمع واستقراره. فالمجتمعات المحلية بطبيعتها أكثر قدرة على التعايش وحل خلافاتها عندما تُترك لشؤونها وأعرافها الراسخة، لكن التدخلات السياسية المتعمدة ومحاولات الاستثمار في التناقضات الاجتماعية هي التي تصنع الشروخ وتغذي الانقسامات وفق سياسة قديمة عنوانها: "فرّق تسد".
إن أخطر ما في الأمر ليس الاختلاف الطبيعي بين المكونات الاجتماعية، وإنما أولئك الذين يقتاتون على الفتن ويعملون على تأجيجها، ويقدمون أنفسهم أوصياء على الناس بينما لا يجلبون سوى المزيد من الاحتقان والتشرذم. هؤلاء لا يخدمون الشرق ولا يدافعون عن قضاياه، بل يضعون مصالحهم الضيقة فوق مصالح المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.
غير أن ما يميز المرحلة الحالية هو أن شرق السودان لم يعد كما كان بالأمس. فقد تراكمت التجارب، وارتفع مستوى الوعي، وأصبحت مختلف مكوناته أكثر إدراكاً لما يُدبّر في الغرف المغلقة وما يُراد فرضه عبر بوابة الفتنة والانقسام. ولذلك فإن محاولات إعادة إنتاج الأزمات القديمة لن تجد البيئة نفسها التي وجدت في السابق.
لقد تعلم أهل الشرق من دروس الماضي، وأدركوا أن وحدتهم هي صمام الأمان الوحيد في مواجهة مشاريع التفكيك والاستغلال السياسي. ومن يراهن على إثارة النعرات أو إحياء الصراعات القديمة إنما يراهن على سراب، لأن الشعوب الواعية لا تسمح بأن تُستخدم وقوداً لمعارك الآخرين، ولأن المؤمن حقاً لا يُلدغ من الجحر مرتين.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة