دولة الجلابة: من صناعة الرموز إلى صناعة الخراب (2)
الأصنام التي صنعت الدولة ثم صنعت الحرب
دكتور الوليد آدم مادبو
لماذا تحتاج دولة الجلابة إلى صناعة الرموز أصلاً؟ هذا السؤال، في تقديري، هو المدخل الحقيقي لفهم العلاقة بين الثقافة والسلطة في السودان، وليس السؤال السطحي الذي يكتفي بتعداد الأسماء أو تفكيك سير الأفراد. فالمشكلة ليست في وجود المبدعين أو العلماء أو الأدباء، فهذه ظاهرة صحية في أي مجتمع. المشكلة تبدأ حين تتحول الرموز من تعبير عن التفوق الإنساني إلى أدوات لإضفاء الشرعية على بنية سياسية وثقافية بعينها.
وفي هذا السياق لا تعود الرموز مجرد شخصيات عامة، بل تتحول إلى وظائف داخل منظومة أكبر. فهي تمنح المركز حق الحديث باسم الوطن، وتقدم تجربته بوصفها التجربة الوطنية الجامعة، وتحوّل رؤيته الخاصة إلى معيار عام، ثم تعيد إنتاج هذا التصور جيلاً بعد جيل باعتباره بديهية غير قابلة للنقاش.
ومن هنا فإن القضية ليست الطيب صالح أو عبدالله الطيب أو غيرهما بوصفهم أفراداً، بل الوظيفة التي أدتها هذه الرموز داخل بنية أوسع أعادت تعريف السودان نفسه. فهذه النخب لم تكن خارج التاريخ، بل كانت جزءاً من صناعته، كما كانت جزءاً من آليات ترسيخ رؤية محددة للوطن، غالباً ما اختزلت التعدد السوداني في مركزه، ورفعت المركز إلى مستوى الكل.
وفي هذا الإطار يصبح سؤال الجوائز والتكريمات أكثر دلالة مما يبدو ظاهرياً. فالمجتمع الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تحويل أفراده إلى تماثيل دائمة. فإذا كان المقصود من الجوائز والاحتفاءات هو إبراز النماذج الملهمة للأجيال، فإن الأجدر أن يتسع فضاؤها كل عام لأسماء جديدة من العلماء والأطباء والمهندسين والمفكرين والأدباء والشباب النابغين. فالقيمة الحقيقية ليست في تخليد شخص بعينه، وإنما في ترسيخ ثقافة التفوق والإنجاز. أما حين يدور التكريم حول الأسماء ذاتها لعقود طويلة، فإنه يتحول تدريجياً من الاحتفاء بالتميز إلى إعادة إنتاج القداسة.
ومن هنا أيضاً أفهم حالة الحرج التي يسببها عبدالله علي إبراهيم لبعض المدافعين عن هذه المنظومة. فهم يسارعون كلما اشتدت الانتقادات إلى التعامل معه باعتباره حالة استثنائية أو انحرافاً فردياً. لكن الحقيقة التي أحاول الإشارة إليها هي أنه أحد أبنائها الأكثر تعبيراً عن تناقضاتها وأزماتها. إنه ليس شيئاً مختلفاً في النوع، وإنما مختلف في الدرجة فقط. الفرق بينه وبين كثيرين من أبناء هذه النخبة ليس فرقاً بين مشروعين متعارضين، بل فرق بين نسخة أكثر صراحة ونسخ أكثر تهذيباً في التعبير عن المنطلقات ذاتها.
ولهذا فإن القضية ليست الطيب صالح ولا عبدالله الطيب ولا حتى صلاح أحمد إبراهيم بوصفهم أفراداً. القضية هي الثقافة التي صنعتهم رموزاً فوق النقد، ثم طالبت الآخرين بالنظر إليهم بعين الإعجاب وحدها. وأنا لا أرى سبباً يدعوني إلى الانضمام إلى هذا الطقس الجماعي. فالأمم لا تتقدم بعبادة الرموز، وإنما بإخضاعها للمساءلة. ولا تنهض بتقديس الماضي، وإنما بامتلاك الشجاعة الكافية لنقده.
ولهذا فإنني أتهم قطاعاً واسعاً من النخب النيلية بأنه كان جزءاً من الأزمة الوطنية لا ضحية لها فحسب. أتهم النخب السياسية بضيق الأفق والعجز عن تخيل وطن يتجاوز حدود امتيازاتها التاريخية. وأتهم النخب العسكرية الشمالية، في معظمها، بأنها ظلت تنظر إلى مصر باعتبارها المرجعية العليا لمصالحها ورؤيتها الاستراتيجية. وأتهم النخب الثقافية بالاستلاب للمشرق العربي وبالانبهار المزمن بفضاء الاستبداد الذي منحها الاعتراف والاحتفاء. وأتهم النخب الاقتصادية بالتبعية، والنخب التجارية بالانتهازية التي عبثت بعلاقات الإنتاج لأكثر من قرنين، وأتهم النخب الدينية بالتواطؤ مع مشروع الدولة الثيوقراطية الذي صادر التنوع السوداني وأدخل الدين في سوق السلطة.
هذه ليست اتهامات انفعالية، بل قراءة لبنية طويلة من التراكمات التي لم تكن النخب فيها مجرد ضحايا، بل كانت في كثير من الأحيان جزءاً من إعادة إنتاجها واستمرارها.
لقد أمضت النخب السودانية زمناً طويلاً في مساءلة الآخرين، لكنها نادراً ما مارست القدر نفسه من الصرامة في مساءلة نفسها. ولهذا ظلت الأخطاء تتراكم فوق الأخطاء، حتى وصلت البلاد إلى لحظة انفجار تاريخية كشفت هشاشة كثير من المسلمات التي عاشت عليها الدولة لعقود طويلة. فالحرب التي يعيشها السودان اليوم لم تخرج من فراغ، ولم تكن حادثاً معزولاً، بل هي حصيلة تراكمات طويلة من الإقصاء وسوء الإدارة والاستعلاء، ومن عجز النخب عن بناء مشروع وطني يتسع لكل مكونات البلاد.
ولهذا فإن السؤال الذي يردده كثيرون: “من أين أتى هؤلاء؟” ليس هو السؤال الأكثر عمقاً. فالجماعات والتيارات والأفكار لا تهبط من السماء، بل تنشأ داخل شروط تاريخية واجتماعية وسياسية محددة. والسؤال الأهم هو: ما الذي فعلته النخب القديمة حتى جعلت ظهور هؤلاء ممكناً؟
ما الذي فعلته بالسياسة حتى فقد الناس ثقتهم فيها؟ وما الذي فعلته بالدولة حتى أصبحت عاجزة عن تمثيل جميع أبنائها؟ وما الذي فعلته بالثقافة حتى تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة للتبرير بدلاً من أن تكون أداة للنقد؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن ننشغل بها إذا أردنا فهم ما يجري، لا الاكتفاء بتكرار أسماء أو إعادة إنتاج سجالات حول رموز.
في النهاية، ليس هدفي تحطيم التماثيل، ولا إنكار ما حققه بعض أصحابها من إنجازات حقيقية. لكن الأمم التي تفشل في مراجعة رموزها تفشل أيضاً في مراجعة تاريخها. والأمم التي تعجز عن نقد نخبها تعجز كذلك عن إصلاح دولها. لقد أمضت دولة الجلابة عقوداً طويلة في صناعة الرموز، ثم أمضت عقوداً أخرى في حراسة تلك الرموز من النقد. أما النتيجة فهي ماثلة أمامنا اليوم: وطن ممزق، ومدن مدمرة، ومستقبل ما زال معلقاً على أسئلة لم نمتلك الشجاعة الكافية لمواجهتها.
ومن هنا فإن النقاش الحقيقي لا يبدأ بالسؤال عن الرموز، بل بالسؤال عن البنية التي صنعت الرموز وصنعت معها هذا الخراب. هناك، وليس في أي مكان آخر، تبدأ المراجعة التي يحتاجها السودان.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة