في مذهب اهل السنة والجماعة: الصواب واحد أو الحق واحد؛ غير متعدد: يعني لو أفتي الأئمة الأربعة في مسألة، وكانت فتاويهم مختلفة، فإن الحق مع واحد فقط والبقية مخطئون. ولهذا جاء في الحديث: من اجتهد وأصاب ... من اجتهد وأخطأ .... فأحيانا قد يتفق ثلاثة من الأئمة، وهذا ما يعبر عنه بمصطلح "الجمهور" ولكن غير مستبعد ايضاً أن يكون هذا الجمهور علي خطأ، والصواب مع الإمام الرابع، ففي الدين لا إعتبار للكثرة أو الجمهرة كما في السياسة والبرلمانات فلو كان هناك ألف فقيه، واتفق ٩٩٩ علي رأي، وخالف واحد فقط، فقد يكون الصواب مع المخالف الواحد، والمتدينون عليهم دائما البحث عن الحق، والدوران معه، والأخذ به متي ما اتضح، وعدم التعصب لرأي معين، باعتبار الاشخاص أو الزمن او اي اعتبارات اخري، ولو أعتنق الناس رأيا فقهيا معيّناً، وعملوا به زمانا طويلا، فهذا ايضاً لا يجعله صواباً.
+-+-+-+-+-+-+-+
في تسجيل شهير للشيخ العثيمين عن وقت صلاة الجمعة: يذكر الشيخ بعض الاعتبارات، التي ذكرنا أنها لا تؤثر في الحق، مثل: كل الناس جمهور العلماء كبار العلماء أكثر أهل العلم الناحية العملية كي تتفق الكلمة
ومع ذلك فالشيخ الجليل لم يخفِ أن هناك رأي آخر: ركّزوا علي كلامه بعد أن يقول: "أما أهل العلم ..." يقول الشيخ: "أما أهل العلم فقد اختلفوا في دخول وقتها: فمنهم من يقول: يدخل وقت الجمعة من حين إرتفاع الشمس قيد رمح يعني دخول وقت صلاة الجمعة كدخول وقت صلاة العيد ... وبعضهم يقول إن وقت صلاة الجمعة يدخل بعد الساعة الخامسة يعني في الساعة السادسة أي قبل الزوال بساعة ... إلخ" انتهي كلام الشيخ.
+-+-+-+-+-+-+-+ جاء في الحديث: (منِ اغتَسلَ يومَ الجمُعةِ غُسلَ الجنابةِ، ثُمَّ راحَ فَكأنَّما قرَّبَ بَدَنةً ومن راحَ في السّاعةِ الثّانيةِ فَكأنَّما قرَّبَ بقَرةً ومَن راحَ في السّاعةِ الثّالثةِ فَكأنَّما قرَّبَ كَبشًا ومَن راحَ في السّاعةِ الرّابعةِ فَكأنَّما قرَّبَ دجاجةً ومن راحَ في السّاعَةِ الخامسةِ فَكأنَّما قرَّبَ بَيضةً، فإذا خرجَ الإمامُ حَضرتِ الملائِكةُ يستمِعونَ الذِّكرَ) أخرجه البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠)، وأبو داود (٣٥١)، والترمذي (٤٩٩)، والنسائي (١٣٨٨) واحمد (٩٩٢٦)
والحديث يفيد أن الجمعة خمس ساعات والعرب كانت تعرف مقدار "الساعة" وكان النهار عندهم ١٢ ساعة؛ وكل ساعة لها اسم جاء في كتاب " فقه اللغة وسر العربية": ترتيب ساعات النهار ال ١٢ : ١/ الشروق ٢/ البكور ٣/ الغداة ٤/ الضحي ٥/ الهاجرة ٦/ الظهيرة ٧/ الرواح ٨/ العصر ٩/ القصر ١٠/ الأصيل ١١/الغروب ١٢/ العشي
فإذا رجعنا إلي كلام العثيمين، وأخذنا كلام من قال أن (وقت الجمعة وقت صلاة العيد)، مع من قال أن وقتها (بعد الساعة الخامسة يعني في الساعة السادسة أي قبل الزوال بساعة) وأخذنا في الإعتبار حديث الخمس ساعات، فهذا يعني أن الجمعة تمتد لخمس ساعات، يعني حسب توقيتنا تكون تقريبا: منذ الساعة السادسة صباحا (كما صلت معظم المساجد صلاة العيد قبل أيام)، وتكون الصلاة في الحادية عشرة صباحا.
هناك سؤال مهم: لماذا تمتد الجمعة لمدة ٥ ساعات؟ والإجابة في الحديث التالي: في "باب حديث التعليم في الخطبة" بصحيح مسلم عن أبي رفاعة: (انْتَهَيْتُ إلى النبيِّ وَهو يَخْطُبُ، قالَ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ، جاءَ يَسْأَلُ عن دِينِهِ، لا يَدْرِي ما دِينُهُ، قالَ: فأقْبَلَ عَلَيَّ رَسولُ اللهِ، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حتّى انْتَهى إلَيَّ، فَأُتِيَ بكُرْسِيٍّ، حَسِبْتُ قَوائِمَهُ حَدِيدًا، قالَ: فَقَعَدَ عليه رَسولُ اللهِ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي ممّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَتى خُطْبَتَهُ، فأتَمَّ آخِرَها)
إذن فالجمعة تعلُّم وتعليم؛ ولهذا وُضعت الجوائز: بدنة، بقرة، كبش، دجاجة، بيضة. وكذلك جاء حديث آخر عن أجر الجمعة: وهو ما رواه أوس بن أوس: (من اغتسل يومَ الجمعةِ وغسَّل، وبكَّر وابتكر، ودنا واستمع، وأنصتَ، كان له بكل خطوةً يخطوها أجرُ سنةٍ صيامُها وقيامُها) [أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه].
وعلي حسب ما قاله بعض العلماء فإن التبكير إلي الجمعة يبدأ منذ الفجر والتبكير إنما هو استجابة لأمر الله بالسعي إلي ذكر الله والسعي إلي ذكر الله مقترن بالنداء إلي الصلاة: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ...} وهذا يعني: أن نداء الجمعة المرتبط ببداية السعي إلى ذكر الله إنما هو نداء الفجر، لأنه أول نداء للصلاة في اليوم، فالله لم يقل: "إذا نودي لصلاة الجمعة" كذلك النداء مرتبط بشيء آخر: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله وذروا البيع} وهذا يعني أن النهي عن البيع يبتديء عند الفجر.
+-+-+-+-+-+-+-+
نختم حديثنا بالعودة لما بدأنا به: أن الصواب واحد، ويجب أن نبحث عنه، وندور معه: ولذلك سيظل السؤال الرئيس: هل الصواب مع من قال أن وقت الجمعة هو وقت صلاة العيد ؟؟ أم مع من قال أنه بعد زول الشمس- أي وقت الظهر ؟؟
وهناك سؤال فرعي: متي تبدأ الساعة الأولى التي جاءت بحديث الساعات الخمس ؟؟
والبحث جارٍ، ولنا عودة للموضوع قريباً إن شاء الله.
□■□■□■ تذكرة متكررة: نذكّر بالدعاء علي الظالمين فهو دعاء لا شك مستجاب الذين أخرجوا الناس من ديارهم بغير حق وسفكوا الدماء وانتهكوا الأعراض وأخذوا الممتلكات وساموا الناس سوء العذاب
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة