من حسن حظ البشرية أن عصر المعلومات قد أتاح العديد من النوافذ للإطلاع على الكثير من الكنوز المعرفية التي كانت و إلى أمد قريب لا تصل إلا إلى قطاع أو شريحة محدودة من المجتمعات البشرية ، و لكن بفضل التطور المتسارع في قنوات نقل و بث المعلومات ، صارت المعلومات هذه متاحة إلا لمن أبى ؟! فالحمد لله رب العالمين ، على هذه النعمة العظيمة ، فاليوم ، الجهل صار في حصار محكم ؟ لا يدري ، كيف يواجه سيل المعرفة الإنسانية الجارف . البروفيسور أحمد إلياس حسين ، و منذ ثلاثة عقود ؛ وهو يحاول معالجة الثغرات المعرفية في تأريخ السودان القديم ، و كانت في السابق عصية على المعالجة ، و لكن بفضل ثورة المعلومات الحالية ، فإن منصة إذاعة هلا٩٦ أف أم ، إستطاع أن يسجل فيها تسعة حلقات ، تتضمن ما يراه أشد ملامسة للحقيقة ، ليسد بها بعض الثغرات الموجودة في تأريخ السودان القديم ، و هي مواد حري أن يطلع عليها أي مثقف بل أي مواطن سوداني مهتم بسؤال الهوية ، و مهتم بمستقبل الشعوب السودانية ، و الإذاعة أي هلا٩٦ ، قد بثت هذه الحلقات في قناة اليوتوب تحت عنوان : و ما خفي أعظم ؛ قراءات و مراجعات في تاريخ السودان . و يعود تأريخ تسجيل هذه الحلقات إلى أوائل العام ٢٠١٧م . و قد ذكرت الإذاعة أثناء بث هذه الحلقات مع بروفيسور أحمد إلياس حسين ، أنها ايضا قد سجلت حلقات مع البروفيسور منتصر الطيب ، عن الجينات الوراثية للشعوب السودانية ، و المعروف أن الجينات الوراثية صارت حلقة مهمة في تاريخ الأمم و الشعوب في الوقت الراهن ، بالإضافة إلى تأريخ اللغات المحلية لهذه الشعوب ، و بالتالي لا بد لكل مهتم بالشأن التاريخي و الحضاري و الثقافي للشعوب السودانية أن يضيف إلى مقتنياته هذه الحلقات للبروفين : منتصر الطيب و أحمد إلياس ، و أنا موقن بأنه سيحصل على قدر من المعرفة يجعله ممتنا لهذين العلمين مدى حياته . . في حلقتيه الأخيرتين في برنامج و ما خفي أعظم ؛ ذكر البروفيسور أحمد إلياس حسين أن دخول الإسلام في السودان ليس صحيحاً أنه يعود إلى القرن السابع الميلادي و بالتحديد في العام ٣١هجرية نتيجة لمعاهدة البقط التي وقعت بين المسلمين و النوبة ، و عبر مقارنات لوثائق التاريخ من عدة مصادر أخرى : العربية ، القبطية ، و غيرها ، أثبت لنا ، أن هنالك جنسين من النوبة ؛ الذين تمتد مناطقهم من جنوب أسوان إلى الشلال الثالث ، و هم النوبيون المصريون إذا جاز التعبير ، و الذين تمتد مناطقهم جنوب الشلال الثالث جنوباً بمحاذاة الشريط النيلي جنوباً وهم النوبيون السودانيون إذا جاز التعبير أيضاً ، الأول تعرف مملكتهم في ذلك الوقت ب: نوباتيا حسب المصادر اليونانية القديمة ، و يعرفون ب : المريس في المصادر العربية ، و الثاني تعرف مملكتهم ب : المقرة ، و عاصمتهم دنقلا ؛ و أثبت البروفيسور أن النوبة الذين وقع عبدالله بن سعد بن أبى السرح الإتفاق معهم هم نوبة مصر الذين عاصمتهم في أسوان ، و أن المعركة التي تمخض عنها المعاهدة وقعت جنوب أسوان على بعد حوالى ستة أميال في منطقتي إبلاغ و شقاق . و لكن ، و بعد خمسين عام من هذه المعركة ، أخضعت مملكة المقرة مملكة نوباتيا و صارت جزء منها ، و ذكر ، أنه بعد ذلك التاريخ حدثت قرابة ٢٥ معركة بين مملكة المقرة و السلطات المصرية ، في الفترة ما بين القرن السابع الميلادي و القرن الثالث عشر الميلادي ، و قد تعرضت معاهدة البقط طوال القرون الستة التي جرت فيها هذه المعارك إلى العديد من التعديلات ، تارة لصالح المسلمين ، و تارة أخرى لصالح ملوك المقرة ، و ذكر البروفيسور بأن بداية القرن الثالث عشر ، شهد دخول سلطة مصر إلى دنقلا ، و لكن لم تسقط المملكة بصورة تامة ، لأن التأريخ يثبت تعاقب ملوك مسيحيين على عرش المقرة بعد دخول سلطة مصر ، و لا يعرف بالتحديد متى إنهارت و سقطت مملكة المقرة ، و نفس الأمر ، ينسحب على مملكة علوة ، و التاريخ المنسوب لسقوطه ١٥٠٦م هو تاريخ مشكوك فيه ، فهو تاريخ يعود إلى مرويات شفاهية محلية لا ترتقي إلى الموثوقية التأريخية الكافية ، فالسودان ، يحتاج إلى الكثير من العمل في مجال التنقيب في مجال التاريخ ، و دراسة العديد من الحضارات الإنسانية المعاصرة للمالك السودانية حتى نصل من خلال المراسلات بين تلك الحضارات إلى معلومات تكشف بعض المستور في تاريخنا ، فالصين و اليابان مثلاً كانت فيها حضارات قديمة و كذلك الهند ، و كانت هنالك صلات عبر البحر الأحمر ، فيمكن السير في هذا الإتجاه في المستقبل . و الشكر والتقدير لإذاعة هلا٩٦ و جهودها في توثيق هذه المادة ، و للبروفيسور أحمد إلياس حسين ، لجهوده المتميزة في مجال تاريخ السودان القديم ، و نتمنى له موفور الصحة و العافية .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة