التحالفات السياسية الحقيقية لا تعني اتفاقاً على كل شيء، بل هي توافق على حد أدنى من القيم والمبادئ من أجل الوطن، وقدرة على قيادة نبض الجماهير بعيداً عن التناحر حول رؤى وأهداف كل مكون على حدة. صحيح أن لكل طرف سياسياً مشروعه ورؤيته الخاصة لقضايا الوطن وكيفية معالجتها ضمن إطار أيديولوجي معين، لكن ثمة حاجة ماسة إلى تحالفات حقيقية لبناء قواسم مشتركة، وهو ما يستلزم تقديم تنازلات من جميع الأطراف، بعيداً عن منطق "نظرية الألعاب" أو مفهوم "المكاسب الصفرية"(رابح/خاسر) أو حتى الربح للجميع.
إن ما نراه اليوم من تباينات بين المكونات السياسية السودانية إنما يعكس حالة من قصور الرؤية وعدم النضج السياسي، وافتقاراً لأسس التحالف السليمة. فالقرارات الناجحة في التحالفات الجادة تولد عادةً عن توافق بعد دراسة داخلية عبر الهياكل التنظيمية، وتطبيق منهجية سليمة لاتخاذ القرار. أما إذا لم تتمكن الأطراف من الوصول إلى توافق حول رؤية معينة، فيُترك الأمر لكل تنظيم ليعبّر عن آرائه باسمه دون إقحام التحالف في صراع تبايناته الداخلية.
لكن من يتأمل واقع تجربتنا السودانية، يجد أن الانتصار للرؤية الخاصة والتمسك بها قد أصبح غاية في حد ذاته قبل أن يكون وسيلة لإقناع الآخرين. وهذا مرده إلى هشاشة هذه المكونات نفسها، التي تعتمد غالباً على رأي الاتجاه الواحد أو الرجل الواحد، دون أن تُمارس منظومة اتخاذ القرار داخل هياكلها. لذلك، تعتبر أغلب تحالفاتنا مجرد تحالفات للزعماء أكثر مما هي نتاج سلسلة من المشاورات التي تمر عبر وحدات داخلية قبل بلوغ مرحلة القرار.
فكيف لهذه المكونات أن تدير وطناً وهي تعاني من أزمة داخلية لا تستطيع إدارتها بحسن توافق، بحيث تعمل على بناء قرار سياسي ودبلوماسي متوافق عليه دون اختلافات علنية؟ إن تشعب أزمات الوطن يحتاج إلى رؤية خالصة نابعة من هموم الشعب، معبرة عن تطلعاته، غير مكترثة بالمصالح الذاتية أو المكاسب الإعلامية العابرة، بل تعمل على إدارة الاختلاف وفق رؤية علمية ومنهجية صادقة. وكما يقول المثل السوداني: "باب النجار مخلع"، فإن اختلافاتنا أيضاً أبوابها مخلعة (أي مخلوعة)، وتعاني من أزمات الفهم الوطني والسياسي.
إن السياسة هي فن الممكن، ليست صوتاً أعلى أو تذاكي الاستهبال، بل القدرة على تحويل الأزمات لصالح الجماهير والشعب، ووضع حلول ناجعة لأزماتهم بالحكمة والدهاء والدراسة المتأنية. الأمر تماماً كتشخيص الطبيب المريض تشخيصاً سليماً قبل وصف دواء ممتاز، فطالما كان التشخيص خاطئاً، يستحيل إيجاد الدواء المناسب، بل يزداد المرض سوءاً حتى يؤدي إلى الموت. وهذا ما نتحاشاه جميعاً.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة