أَيُوجدُ حقاً في قاموس الحروب «منتصرٌ»؟ أليست هذه المسمياتُ مجردَ سرابٍ يضللُ العقول، بينما تتساقطُ أرواحُ الأبرياء كأوراق الخريف في مهبِّ العاصفة؟ إنَّ السؤالَ الذي يدمي القلبَ ليس عن هوية الغالب والمغلوب، بل عن تلك الأرواح التي تلاشت في غياهب العدم، وعن المدن التي استحال عمرها هباءً، وعن الأحلام التي أُجهضت في مهدها. ففي عالمٍ تتآكلُ فيه الإنسانية تحت سنابك الصراعات، يغدو الحديث عن «النصر» ترفاً فكرياً لا يستقيم مع فداحة الخسارة.
إنَّ الحقيقةَ المرةَ التي يلفظها الواقعُ، هي أنَّ الجميعَ يخرجون من حلبة النزال مهزومين؛ فالمواطنُ هو القربانُ الذي يُذبحُ على مذبح الأطماع، والوطنُ هو الجسدُ الذي يُنهشُ ليقتاتَ على فتاته المنتفعون.
استلابُ العقول وتغييبُ الكفاءات
لقد دأبت الأنظمةُ العسكريةُ والديكتاتوريةُ – كعادتها في كل زمانٍ ومكان – على تهميشِ العقولِ النيرة، وإقصاءِ العلماء والمثقفين وأصحابِ الرأي والخبرة، الذين يمثلون صمامَ أمانِ الأمةِ وضميرَها الحي. فكيف يستقيمُ لبلدٍ أن ينهضَ وقد حُجبت كفاءاتُه عن دورها التاريخي، وهيمنت عليه نزعاتُ «الحركة اللاإسلامية» المتردية في ثوب العسكر؟ إنَّ تقدمَ الوطنِ مرهونٌ باستعادةِ العقلِ السودانيِّ لمكانته، لا بتبديدِ الطاقاتِ في صراعاتٍ عبثية.
السودان: فريسةُ الأطماع ومسرحُ الصراع الدولي
تتوالى السنونُ، وتدخلُ حربُ الجنرالين عامَها الرابع، والسودانُ يغرقُ في لججِ الوجع. أرقامٌ مرعبةٌ تئنُّ تحت وطأتها الضمائر؛ ربعُ مليونِ قتيلٍ، وعشرون مليونَ لاجئ، وبنيةٌ تحتيةٌ متهالكةٌ تُنذرُ بانهيارٍ شامل. ليست هذه الحربُ منذ اندلاعها في 15 أبريل 2023 مجردَ نزاعٍ داخليٍّ عابر، بل هي حلقةٌ في مخططٍ دوليٍّ أوسع؛ صراعٌ على الموارد، وهيمنةٌ على البحر الأحمر، وتنافسٌ محمومٌ بين معسكراتٍ دوليةٍ تتصارعُ على أرضِنا، مستغلينَ أطماعاً إقليميةً لتقسيم السودان إلى دويلاتٍ هشّة، بما يخدمُ مشروع «الشرق الأوسط الجديد».
السودانُ، بكنوزِه التي لا تُحصى – من أراضٍ زراعيةٍ شاسعةٍ، ومعادنَ استراتيجية كالذهب واليورانيوم، ومخزونٍ مائيٍّ هائل، إلى موقعه الجيوسياسي الفريد – باتَ اليومَ «غنيمةً» يسعى الجميعُ للظفرِ بها. إنَّ المخططَ يتجاوزُ نهبَ الثرواتِ ليصلَ إلى تفريغ الأرضِ من إنسانِها، عبر التهجيرِ القسري، ليخلوَ الميدانُ للقوى المتصارعة.
نداءٌ إلى الضمير السوداني
يا شعبَ السودان الأبي، إنَّ ثورتكم المجيدة كانت صرخةَ رفضٍ للتبعيةِ وحمايةً لمقدراتِ البلاد، فكونوا اليومَ على قدرِ المسؤولية. إنَّ دماءَنا واحدة، ووجعَنا واحد، ولا يربحُ من دمارِ وطنِنا إلا المتربصون.
وكما عبّر إرنست همنغواي بصدقٍ في روايته «وداعاً للسلاح» عن عبثيةِ الحرب، مؤكداً أنَّ «في الحربِ الحديثة، تموتُ كإنسانٍ عبثاً»، فإننا اليوم ندركُ أنَّ هذه المعارك لا تنتجُ بطولاتٍ، بل مآسيَ لا تنتهي. إنَّ طغاةَ هذه الحربِ يمارسون دورهم في مسرحيةٍ انتهت صلاحيتهم فيها منذ عقود؛ فكفوا عن إراقةِ الدماء، وأوقفوا هذه الحربَ قبل أن يضيعَ الوطنُ في ثنايا النسيان.
الخلاصة: إنَّ المنتصرَ في هذه الحربِ مهزومٌ لا محالة، والضحيةُ الأبديةُ هي السودان، أرضاً وشعباً.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة