إلى الذين تربعوا على سدة الحكم في زمنٍ صار فيه "البقاء" ضرباً من المعجزات: لا نكتبُ إليكم لِنستجديَ عطفاً، ولا لنرفعَ شكوىً إلى من في آذانهم وقرٌ، بل نخطُّ هذه الكلمات لتكون شهادةً موثقةً في سجلِّ التاريخ، تُضاف إلى قائمةِ خيباتكم التي لا تنتهي. إنَّ الدولة التي تقفُ متفرجةً على أنينِ شعبها، وهي تمارسُ "فنَّ الغياب" عن أبسطِ استحقاقاتِ الحياة، ليست دولةً، بل هي هيكلٌ مُتهالكٌ تآكلت جدرانه حتى باتت تسترُ فراغاً لا يملؤه سوى وجع الملايين. هل أدركتم، في غفلتكم المطبقة، أنكم تحكمون "عدماً"؟ لقد شردتم أمةً بأكملها، وأحلتُم بلاداً كانت يوماً تعجُّ بالحياة إلى مساحاتٍ شاسعةٍ من الحزنِ المديد. وإذا كان الشعبُ قد غادر، قسراً واضطراراً، بحثاً عن فتاتِ كرامةٍ ضاعت بين أيديكم، فمن ذا الذي تحكمون؟ هل تحكمون جدران المنازل التي صمتت؟ أم أرواح الذين ينتظرون الموت في أروقةِ مشافٍ لم يعد فيها من الطب إلا الاسم، ومن التنفس إلا الشهيق الأخير؟ إنَّ المشهد الذي يدمي القلب –ألا وهو المواطن السوداني الذي يُهان في منافي الأرض– ليس مجرد "أزمةٍ عابرة"، بل هو وصمةُ عارٍ تلاحقُ كل من تسبب في جعل الهوية السودانية مرادفاً لـ "اللجوء والضياع". حين يُهين الغريبُ ابن النيل، فإنَّ اليد التي سحبت منه الحماية والوطن هي التي أهانت، وهي التي ستظلُ مطالبةً بالرد أمام عدالةٍ لا تُخطئ. أما آن لمن يتنعمون بـ"وهم السلطة" أن يفيقوا؟ ألا تخشون عاقبةَ من أضاعوا أمانةً استُؤمنوا عليها، فأحالوا النعيم جحيماً، والوطن منفى؟ إننا لا نخاطب فيكم "السياسي"، بل نستنطق فيكم "الإنسان" الذي يُفترض أنَّه غفا -ولم يمت– تحت ركام الغطرسة. اعلموا أنَّ الحسابَ يومَ يقومُ الأشهادِ ليس فيه موازينُ السلطة، ولا حصانةَ الكراسي. إنَّ أناتِ مريضٍ قضى نحبه اختناقاً، ودمعةَ أُمٍ تائهةٍ في بلادِ الشتات، ستكونُ هي الوثائق التي تُحاكمكم بها الشعوبُ في الدنيا، ويحاسبكم بها الخالقُ في الآخرة. لقد أفرغتم الدولةَ من جوهرِها، ولم تبقوا فيها إلا "الرسم" الذي يغطي على الفشلِ الفادح. ختاماً: إنَّ التاريخ لا يُصنعه الجالسون في قصورِ العجز، بل يصنعه الذين يحملون أرواحهم على أكفهم ليحيوا بشرف. فإن لم يكن فيكم رجلٌ عاقلٌ يوقفُ هذا الانحدار نحو العدم، فلتشهد الأيام أننا رفعنا صوتنا بالحق، حين كان الصمتُ هو الخيانة الكبرى.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة