حين يخرج خالد عمر يوسف، المعروف بخالد سلك، ليعظ السودانيين عن حملات التضليل وشراء الولاءات، فإن المفارقة وحدها تكاد تكفي للرد عليه، فليس أشد غرابة من أن يتقمص رجلٌ عاش داخل قلب المشهد السياسي، وكان جزءا من تجربة حكم رفعت سقف الوعود ثم تركت الناس أمام خيباتها، دورَ الواعظ النزيه الذي يوزع شهادات الوطنية والبراءة على الآخرين. السياسة لا تُقاس بجمال العبارات، ولا بقدرة أصحابها على صياغة منشورات لامعة في مواقع التواصل الإجتماعي، بل تُقاس بالمواقف حين تشتد المحن، وبالوضوح حين تختلط الأصوات، وبالشفافية حين تحوم الأسئلة حول المال والعلاقات والولاءات. يتحدث خالد سلك عن الشعب السوداني بوصفه المسروق الحقيقي، وكأن هذا الاكتشاف هبط عليه فجأة من سماء الحكمة. نعم، الشعب السوداني هو المسروق والمنهك والمخذول، لكن السؤال الذي لا يريد أمثال خالد الاقتراب منه هو، من سرقه، ومن خذله، ومن شارك في صناعة هذا الخراب، بالفعل أو بالصمت أو بالعجز أو بالمساومات السياسية؟ لا يكفي أن يقف السياسي خارج السلطة ليغسل يديه من كل ما سبق، ولا يكفي أن يرتدي ثوب المعارضة بعد أن كان في موقع القرار، ثم يطلب من الناس أن ينسوا كل شيء، لأن ذاكرة السودانيين ليست بهذه الهشاشة، ووجعهم ليس مادة تصلح لإعادة تدوير الوجوه ذاتها في مشهد جديد. لقد عمل خالد عمر يوسف في حكومة عبد الله حمدوك، وهي حكومة جاء بها السودانيون على أمل أن تفتح بابا مختلفا بعد سنوات طويلة من القهر والفساد وانسداد الأفق، ولكن الحصيلة التي لمسها المواطن العادي لم تكن بحجم الأحلام التي رفعتها تلك المرحلة. كان الناس ينتظرون دولة أكثر عدلا، وخدمات أكثر استقرارا، واقتصادا أقل قسوة، ومؤسسات أكثر شفافية، فإذا بهم يجدون أنفسهم أمام نخبة سياسية بارعة في الخطاب، فقيرة في الإنجاز، كثيرة الشعارات، قليلة الأثر، ومن حق الناس اليوم أن يسألوا خالد سلك، ماذا قدمت حين كنت قريبا من السلطة، وأي أثر تركته في حياة المواطن الذي تتحدث الآن باسمه، وهل يكفي أن تقول إنك ضد التضليل، بينما تجربتك السياسية نفسها لم تقدم للناس ما يحميهم من هذا الانهيار؟ ثم جاءت حرب 2023، فاختبرت الجميع بلا رحمة، حيث لم تكن الحرب مجرد حدث مروري في نشرات الأخبار، بل كانت امتحانا كاشفا للوجوه والمواقف والضمائر. في الداخل، بقي ملايين السودانيين يواجهون الرصاص والخوف والجوع والنزوح وانقطاع الدواء وانهيار البيوت والذاكرة، وفي الخارج، بدأت طبقة سياسية كاملة تتحرك بين العواصم، تعقد الاجتماعات، وتظهر في المنابر، وتصدر البيانات، وتقدم نفسها بوصفها صوت الشعب وضميره، وليس في الخروج من البلاد بحد ذاته ما يدعو إلى الإدانة، فالحرب شردت الملايين، لكن المرفوض هو أن يتحول الابتعاد عن جحيم الداخل إلى منصة للوصاية على من بقوا في قلب النار، وأن يصبح السياسي المقيم بين الفنادق والصالات المكيفة معلما للشعب في معنى الوطنية والصبر والحقيقة. من هنا يصبح السؤال مشروعا وملحا، وهو، من يمول هذه الحركة المستمرة، من يدفع تذاكر السفر، من يتكفل بالإقامة والإعاشة، من ينظم المؤتمرات واللقاءات، ومن يفتح الأبواب في العواصم التي يتنقل بينها خالد سلك وحزبه وتحالفاته؟ هذه ليست أسئلة بغرض التشهير، بل أسئلة جوهرية في زمن اختلط فيه المال السياسي بالمواقف، وتداخلت فيه الأجندات الخارجية بالشعارات الداخلية. من يتحدث عن شراء الولاءات ينبغي أن يكون أول من يكشف مصادر تمويله وعلاقاته، لا أن يطالب الآخرين بالشفافية بينما يترك مساحته الخاصة غارقة في الغموض، لأن الشفافية ليست بندقية تُصوب نحو الخصوم فقط، بل مرآة ينبغي أن يبدأ بها المرء أمام نفسه، والمفارقة الأشد مرارة أن كثيرين ممن يرفعون شعار إيقاف الحرب، جعلوا منه مظلة واسعة تحميهم من السؤال والمحاسبة. لا أحد عاقل يرفض إيقاف الحرب، ولا أحد صاحب ضمير يمكن أن يتمنى استمرار الدم والدمار والتهجير، لكن الدعوة إلى السلام لا تعني إعفاء أصحابها من النقد، ولا تمنحهم حصانة أخلاقية مطلقة. السلام الحقيقي يحتاج إلى وضوح، وإلى تسمية الجناة، وإلى رفض الانتهاكات بلا انتقاء، وإلى موقف صريح من كل قوة حملت السلاح ضد المدنيين، ونهبت البيوت، وروعت الآمنين، ومزقت النسيج الاجتماعي، أما السلام الذي يساوي بين الضحية والجلاد حينا، ويتغافل عن جرائم حلفاء السياسة حينا آخر، فهو ليس سلاما بقدر ما هو تكتيك سياسي مغلف بلغة إنسانية. يتحدث خالد سلك عن حبل الكذب القصير، وهي عبارة تصلح أن تعود إليه قبل غيره، فالكذب في السياسة لا يكون دائما تصريحا مكشوفا، بل قد يكون صمتا منظما، أو نصف حقيقة، أو انتقاءا ذكيا للوقائع، أو هروبا من الأسئلة المحرجة. التضليل ليس أن تختلق رواية من العدم فحسب، بل أن تخفي ما لا يناسبك وتبرز ما يخدمك، أن تتحدث عن السيادة حين يتعلق الأمر بخصومك، وتصمت عنها حين تقترب من حلفائك، أن تهاجم شراء الولاءات وأنت لا تقدم للناس كشفا مقنعا عن مصادر تمويل حركتك السياسية، أن تتحدث عن الشعب بينما لا تمنحه حق معرفة من يقف خلف المنابر التي تتحدث من خلالها باسمه. لقد أصبح السودانيون أكثر وعيا من أن تنطلي عليهم اللغة المزخرفة، إذ أن الحرب، بكل قسوتها، نزعت الأقنعة عن الجميع، وكشفت من يرى السودان وطنا يستحق التضحية، ومن يراه منصة للتفاوض والمناورة والعودة إلى السلطة. كشفت من انحاز للناس في محنتهم، ومن انحاز لحساباته وتحالفاته، كشفت من يريد سلاما يحفظ الدولة والكرامة والعدالة، ومن يريد تسوية تحفظ له موقعا في المشهد القادم، ولذلك فإن حديث خالد سلك عن التضليل لا يمكن أن يمر بلا مساءلة، لأن من يتصدى لاتهام الآخرين ينبغي أن يكون مستعدا لتحمل وزن السؤال نفسه، أما الحديث عن السيادة والوطنية والكرامة، فهو حديث كبير لا يليق أن يتحول إلى أدوات للمزايدة السياسية، إذ أن السيادة ليست منشورا على فيسبوك، ولا كلمة رنانة في ندوة، ولا لافتة تُرفع عند الحاجة. السيادة تعني رفض تحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة، ورفض أن تُدار قراراته من الخارج، ورفض أن يصبح السياسي السوداني ملحقا بخرائط مصالح إقليمية ودولية. السيادة تعني أن يكون الموقف من التدخل الخارجي واحدا لا يتجزأ، وأن تكون إدانة العبث بالسودان واضحة أيا كان مصدره، وأما الانتقائية في هذا الباب فهي أخطر أشكال الخداع، لأنها ترتدي ثوب الوطنية بينما تمارس عكسها في الواقع، ومن حق السودانيين أن ينظروا بريبة إلى سياسيين لا تتوقف اجتماعاتهم ومؤتمراتهم وجولاتهم، بينما لا يجد المواطن في الداخل ما يسد رمقه أو يحمي أطفاله أو يعيد له بيته. من حقهم أن يسألوا عن العلاقة بين الشعارات والتمويل، بين المنابر والمصالح، بين الظهور الإعلامي المتكرر وبين القوى التي تفتح هذه المنابر، لأن الولاء لا يُشترى بالمال وحده، بل قد يُشترى بالدعم السياسي، وبالتلميع الإعلامي، وبالوعد بمقعد في التسوية القادمة، وبالصمت عن جهة معينة مقابل مهاجمة جهة أخرى، ومن لا يدرك هذه الحقيقة، أو يتظاهر بعدم إدراكها، لا يحق له أن يحدث الناس عن طهر السياسة ونقاء الموقف. إن مشكلة خالد سلك، ليست فقط في ما قاله عن حملات التضليل وشراء الولاءات، بل في أنه قاله من موقع لا يسمح له أخلاقيا بالتصرف كحَكَم نزيه فوق الجميع، فالرجل جزء من طبقة سياسية متهمة، في نظر قطاعات واسعة من السودانيين، بأنها أتقنت الكلام وفشلت في الفعل، وأجادت صناعة التحالفات وفشلت في بناء الثقة، وتحدثت كثيرا عن الشعب ولم تستطع أن تقنع الشعب بأنها تشبهه أو تشعر به، وهذه الفجوة بين الخطاب والواقع هي التي تجعل كل منشور جديد يبدو كأنه محاولة للهروب إلى الأمام، لا مراجعة صادقة للماضي ولا إجابة شجاعة عن أسئلة الحاضر. إذا أراد خالد عمر يوسف أن يقنع السودانيين بأنه جاد في مواجهة التضليل، فليبدأ بما هو أبسط وأصعب في آن واحد، وهو، المصارحة. ليقل للناس بوضوح من يمول نشاطه السياسي ونشاط حزبه وتحالفاته، ليعلن موقفا لا لبس فيه من كل تدخل خارجي في السودان، ليدن كل انتهاك ضد المدنيين بلا مواربة ولا حسابات، ليكف عن استخدام العبارات العامة التي تُدين الجميع ولا تُلزم صاحبها بشيء، وليعترف، قبل ذلك كله، بأن التجربة السياسية التي كان جزءا منها أخفقت في مواضع كثيرة، وأن الشعب لا يمكن أن يمنح ثقته مرة أخرى لمن لم يقدم له مراجعة حقيقية، لا مجرد منشورات هجومية ضد الخصوم. يا خالد عمر يوسف، إن الشعب السوداني لا يحتاج إلى دروس جديدة في معنى التضليل، لقد عاش التضليل بأشكاله كلها، من الأنظمة التي وعدته بالاستقرار وأورثته الخراب، إلى النخب التي وعدته بالخلاص وأورثته الخيبة، إلى القوى التي تحدثت باسمه ثم استخدمت صوته في أسواق السياسة. هذا الشعب يعرف جيدا أن الحقيقة لا تأتي دائما من أعلى المنابر صوتا، وأن الوطنية لا تُقاس بعدد المؤتمرات ولا بعدد الظهور الإعلامي، بل بوضوح الموقف ونظافة اليد واستقامة المسار، وقبل أن تقول إن حبل الكذب قصير، تذكر أن حبل الذاكرة السودانية أطول مما تظن، فالناس يتذكرون من وعد ولم يفِ، ومن صمت حين كان الكلام واجبا، ومن تكلم حين صار الكلام مفيدا لحساباته، ومن غادر ثم عاد عبر الشاشات واعظا ومحللا ووصيا، ويتذكرون من جعل من المأساة سلما، ومن جعل من السلام شعارا فضفاضا، ومن تحدث عن الولاءات دون أن يكشف ولاءاته هو، ولذلك، فإن أقل ما يمكن أن يقال اليوم هو، يا خالد عمر يوسف، أنت آخر من يحق له أن يتحدث عن حملات التضليل وشراء الولاءات قبل أن يجيب عن أسئلة السودانيين المعلقة في الهواء. من يمول، من يستضيف، من يرتب، من يدفع، ومن يستفيد، وعندما تملك الشجاعة للإجابة، عندها فقط يمكن للناس أن يستمعوا إلى حديثك عن الحقيقة. أما قبل ذلك، فسيظل خطابك عند كثيرين مجرد فصل جديد من فصول السياسة التي أتقنت الوعظ، وفشلت في إقناع الشعب بأنها بريئة من الخراب الذي تتباكى عليه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة