ربنا يسبغ الصبر على عائلتنا الممتدة التي أضناها فقد أحمد، الفتى الحالم الذي كانت تحيط به هالة من الوداعة والهدوء، وفي الحق أن أدق ما امتازت به شخصية أحمد عبدالرازق-رحمه الله- هي تلك النظرة الساهمة التي تظهر بعض الصفات التي كان يتحلى بها، تلك النظرة التي كانت تضيء الحياة كلها، هي بلا ادنى شك او ريب، السمة التي تخبر عن حاجات النفوس الرقيقة المشاعر التي ينهكها التعبير عن خلجات الذات، وأحمد كان من هذه الفئة المرهفة التي من السهل أن يستخلص الجميع مزاياها وخصائصها، فأحمد دأب منذ صغره، ان ينظر في نفسه، ويعكف عليها، هذه النظرة الشاردة التي تخبرنا في وضوح وجلاء، أن صاحبها أدمن أن يمضي مع خواطر مختلفة ومتناثرة، تأخذ بعضها برقاب بعض، خواطر كان يركن إليها صاحبها في كل هدوء وبساطة، لأنها كانت تغنيه عن اظهار تلك الأصوات التي نسمعها تتردد على آلاف الشفاه، فأحمد المسالم اللطيف، لم يكن مثل لداته، وأنداده، يثير السخط والامتعاض، كلا لم يكن فقيدنا اليافع من أصحاب الشغب والاضطراب، بل كان ينتهج نهج المفكرين والفلاسفة في هيئته ومظهره، كنا نراه يجلس في ركن قصي، وعليه مسحة من وقار، توهج يبين أن الصلة منبتة بينه وبين أقرانه، وأن تلك العوالم الزاهية، الساحرة، التي تجوب أنحاء قلبه، هي التي تحدث تلك النشوة والحبور في نفسه، كان أحمد إذن ينعم بتلك المباهج، ويعشق ذلك الجو المنعش الصاف الذي استأثر فتانا بنصيب عظيم من سواحل محيطه، ظل أحمد على هذه الشاكلة، يستعرض العناصر المختلفة التي يتصف بها محرابه غداة كل يوم، حتى قضت الظروف أن تدخله في نطاق التعليم، وأن يكون للمدرسة في حياته جدول ثابت لا يتزعزع، والمدرسة التي لم تكن محاطة عنده بنوع من الحرمة والقداسة، شأنه في ذلك شأن كل أطفال العائلة، اتسع مداها عنده او ضاق، فلن يمنعه هذا العزوف، والاحجام، والنفور، من أن يتجه إلى زيادة احكام الروابط بينه وبين الطليعة، فما برح أحمد في نهاية كل عام يخضع لقواعد العرف الجاري في حيز عائلته، فيبز أترابه، ويحرز النتائج المشرفة التي كان ينالها دون كد واستقصاء، تلك النتائج التي تجعل أسرته ترضى عنه كل الرضا، لم تكن هي السبب الذي جعل طفلنا الغرير وفيا لخواطره، فقد ظلت هذه الخواطر تلاحق حبيبها في كل مكان، ويعتذر هو إليها، ويثوب إلى طاعتها، كلما أبى عليها، وفر منها، لم يكن أحمد يملك رصيدا من العزم، والإقدام، والجرأة، والمغامرة، حتى يصدها ويدفعها عنه، لأنه أدرك أنها تطلبه بعد أن كان يطلبها، مكث أحمد خاضعا لنظم هذه الخواطر وتقاليدها، حتى طوته دثورها في يوم شاحب حزين. ما انفكت هذه الخواطر عاشقة، متدلهة، مفتونة بصاحبها، حتى ظفرت به، وغمرته بما كان مكظوما في صدرها من أحاسيس الشوق، والوله، والحنين، وتركتنا نحن قبيلة المكلومين، نحتمل في سبيل فراقه ألوان الهول، والفجيعة، والجهاد. د. الطيب النقر
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة