على مدى ما يقارب الأربعة عقود، نظرت جماعات الإسلام السياسي في السودان إلى السياسة بعين الصقر؛ لا ترى أمامها إلا ما يحفظ سلطتها ويحقق مصالحها، حتى ولو كان الثمن تمزيق الوطن وتعميق أزماته. لكن اللحظة الراهنة تختلف تماماً، إذ لم يعد ممكناً التعامل مع التحولات الدولية والإقليمية بالعقلية القديمة أو بسياسة المناورة والتجاهل والإنكار.
اليوم، بات على هذه الجماعات المتطرفة وواجهتها السياسية حزب المؤتمر الوطني المحظور بأمر الثورة أن تنظر إلى المشهد بعين الحرباء، وأن تدرك ما يحدث في كل الاتجاهات، لأن فلسفة النعامة ودفن الرؤوس في الرمال لن تجدي نفعاً أمام الطوفان القادم، ولا أمام عالم بدأ يطوي صفحة الإسلام السياسي في السودان.
حملت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب، التي أعلنتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، رسائل حاسمة تجاه الجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي في المنطقة، وعلى رأسها تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في السودان.
الوثيقة الأمريكية لم تعد تتعامل مع هذه الجماعات المتطرفة بوصفها قوى سياسية محلية يمكن احتواؤها، بل باعتبارها الحاضنة الفكرية والتنظيمية التي أنتجت معظم تيارات التطرف العنيف الحديثة.
وفي تحول لافت، وُضع السودان ضمن خارطة التهديدات الأمنية المرتبطة بإعادة تشكل الشبكات المتطرفة في أفريقيا، إلى جانب مناطق مثل جماعة الشباب المجاهدين الإسلامية المتطرفة في الصومال، والجماعات المتطرفة في حوض جمهورية تشاد، وجماعة بوكو حرام في نيجيريا، وجماعة تحالف نصرة الإسلام والمسلمين في مالي، هذا الإدراج لا يعكس فقط القلق الأمريكي من الانهيار الأمني في تلك المناطق، بل يشير بوضوح إلى مخاوف متزايدة من استغلال الحرب الحالية التي مسرحها الشرق الأوسط لإعادة تمكين الجماعات المرتبطة بالإخوان والتنظيمات المتشددة تحت غطاء المؤسسات العسكرية والأمنية.
الأخطر في هذه الاستراتيجية أنها لا تكتفي بالتوصيف السياسي، بل تتحدث عن توسيع نطاق التصنيف والملاحقة وتجفيف مصادر التمويل والدعم، مع الاعتماد على شراكات إقليمية وتحالفات محلية لمواجهة هذه الشبكات. وهذا يعني أن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع ملف الإسلام السياسي في السودان بوصفه قضية أمن دولي، لا مجرد صراع داخلي على السلطة وهذا هو التوصيف الصحيح للأزمة التي دفع ثمنها الشعب السوداني لعقود.
بالنسبة لحكومة بورتسودان، فإن هذا التطور يمثل ضربة سياسية قاسية وقاصمة في ذات الوقت؛ لأنه يقوض الرواية التي حاولت تقديم المؤسسة العسكرية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للدولة السودانية. فحين تربط واشنطن بين نفوذ الإسلاميين داخل الجيش وبين تهديد الأمن الإقليمي والدولي، فإن ذلك يضعف أي محاولة للحصول على شرعية خارجية دون معالجة جذرية لمسألة اختراق مؤسسات الدولة بواسطة التيار الإخواني.
لقد تغيّر المناخ الدولي بصورة واضحة. العالم الذي كان يتسامح مع شعارات الإسلام السياسي تحت مبررات المشاركة السياسية أو مواجهة الخصوم، أصبح اليوم أكثر اقتناعاً بأن هذه الجماعات تمثل البيئة المنتجة للتطرف وعدم الاستقرار. وتجارب المنطقة، من ليبيا إلى سوريا مروراً بالساحل الأفريقي، عززت هذا الاتجاه.
في السودان، تبدو هذه التحولات أكثر حساسية، لأن الإسلام السياسي لم يكن مجرد حزب حاكم سابق، بل مشروعاً متكاملاً سيطر لعقود على مفاصل الدولة والاقتصاد والإعلام والأجهزة الأمنية. ولذلك فإن أي تحرك دولي لتفكيك هذا النفوذ ستكون له تداعيات عميقة على شكل السلطة ومستقبل الصراع.
إن الرسالة الأمريكية الجديدة يمكن قراءتها باعتبارها إعلاناً لبداية مرحلة إقليمية مختلفة، عنوانها إنهاء استخدام الدين كغطاء للمشروعات العسكرية والأيديولوجية العابرة للحدود. وربما للمرة الأولى منذ عقود، يجد الإسلام السياسي في السودان نفسه أمام عزلة دولية متصاعدة، وضغط سياسي وأمني قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل الدولة السودانية على أسس وطنية بعيداً عن هيمنة التنظيمات العقائدية.
قد لا تكون النهاية قد حدثت بالكامل بعد، لكن المؤكد أن البيئة التي سمحت بصعود مشروع الإسلام السياسي في السودان لم تعد كما كانت. وما يجري اليوم قد يكون بالفعل بداية النهاية لعهد طويل ارتبط بالحروب، والتطرف، وتوظيف الدين في الصراع على السلطة، ونهب الثروة لتغذية مشروعهم الوهمي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة