في الوقت الذي تحتبس فيه أنفاس ملايين السودانيين، وتتجه أنظار المشردين والنازحين والجوعى نحو أي بارقة أمل توقف شلال الدم وتخرس أزيز الرصاص، تطل علينا تصريحات سياسية وعسكرية أقل ما توصف به أنها انفصال كامل ومروع عن الواقع الإنساني. إن الخطاب الأخير لمحمد حمدان دقلو، قائد ميليشيا الدعم السريع، والذي يلوح فيه باستمرار الحرب حتى عام 2040م، يمثل وثيقة إدانة ذاتية بامتياز، ويفسر بكل جلاء وبلا أدنى مواربة، لماذا تدور الدولة السودانية في حلقة مفرغة من الأزمات المتكررة التي لا تنتهي. إن القراءة الفاحصة المتأنية لهذا الخطاب لا تكشف فقط عن نوايا عسكرية كارثية، بل تعري العقلية السلطوية التي تختطف مصائر الشعوب، وتغلف طموحاتها الشخصية المحضة في الوصول إلى الكرسي بشعارات زائفة حول مصلحة الشعب وتحرير البلاد. عزيزي القارئ.. يبدأ الخطاب بمحاولة تخدير سياسي كلاسيكية ومكررة، حيث يدعي دقلو أن قواته لا تسعى إلى استمرار القتال وترغب في وقفه في أسرع وقت ممكن، ولكن هذا الادعاء سرعان ما يصطدم بجدار الحقيقة القاسية داخل ذات الخطاب، ويفضح النوايا الحقيقية عندما يعلن ببرود تام استعداده لمواصلة القتال حتى عام 2040 إذا استدعت الظروف ذلك. إن هذا التناقض الصارخ يطرح تساؤلا جوهريا حول المدارك الاستراتيجية والسياسية لمن يقودون هذا الصراع، إذ كيف يمكن لعقل سياسي أن يجمع بين النقيضين في جملة واحدة؟ إن القائد الذي يضع مصلحة شعبه نُصب عينيه، لا يخوض حربا بلا أفق ولا نهاية، لأن الحروب الممتدة لعقود ليست سوى مشاريع إبادة بطيئة للأمم وتدمير ممنهج للبنية التحتية والاجتماعية. إن التلويح بعام 2040 لا يعني مجرد استمرار للمعارك، بل يعني ببساطة الحكم على جيلين كاملين من السودانيين بالعيش في خيام النزوح، وتحت نيران المدفعية، وفي طوابير الإغاثة الطويلة، إنها الأنانية المفرطة في أبشع صورها وتجلياتها، أن يقامر سياسي أو قائد عسكري بعمر وطن بأكمله، ومستقبل ملايين الأطفال، فقط ليضمن شروطا تفاوضية أو مكاسب عسكرية تضمن بقاءه في السلطة. إن من يشعلون الصراعات والأزمات في السودان ويرفعون لواء الحرب باسم مصلحة الشعب السوداني لا يفعلون ذلك من أجله على الإطلاق، بل يفعلون ذلك من أجل أنفسهم وتثبيت أركان حكمهم، فالشعب السوداني اليوم، المنهك من ويلات النزوح وتفشي الأوبئة وانعدام الأمن الغذائي، لا يبحث عن انتصارات عسكرية وهمية تتحقق بعد سبعة عشر عاما على أنقاض المدن المدمرة وجثث الأبرياء، بل ما يحتاجه هذا الشعب حقا هو صمت صوت الرصاص، لو ليوم واحد فقط. يحتاج الأب المكلوم أن يعود إلى منزله المنهوب في أطراف العاصمة أو حواضر الولايات، ليسد رمق أطفاله وأسرته الجائعة، وتحتاج الأم إلى ممر آمن للحصول على حبة دواء أو شربة ماء نقية، ويحتاج المزارع إلى العودة لحقله قبل أن يفتك الجوع بالملايين، ولكن، عندما يطل دقلو ليعلن أن العمل الميداني هو الفيصل، فإنه يغلق بقسوة باب العقل والحوار، ويفتح أبواب الجحيم على مصراعيها. هذا التصريح يعني حرفيا أن لغة الدم والبارود، هي اللغة الوحيدة المعتمدة في قاموس المرحلة المقبلة، وأن الكرسي هو الهدف الأسمى، الصنم الذي تُذبح في سبيله كل التطلعات السودانية وتُرخص من أجله كل الدماء. من أكثر النقاط إثارة للدهشة، بل والاستنكار الشديد في الخطاب، هو ذلك الحديث المتناقض عن اعتبار التعليم أولوية لدى ما يسمى بحكومة تأسيس في غرب السودان، والادعاء العجيب بأن السلاح والتعليم مساران متوازيان، وهذا الطرح يمثل تحديا صارخا لقواعد المنطق السليم واستخفافا بعقول المستمعين وبتجارب التاريخ الإنساني أجمع. السلاح والتعليم لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن يكونا متوازيين في بيئة تنهشها الحرب الأهلية، حيث أن السلاح يهدم في لحظة ما يبنيه التعليم في سنوات، إذ كيف يمكن لطفل أن يستوعب درسه وأزيز الطائرات ودوي المدافع يرج جدران مدرسته التي تحولت إما إلى ثكنة عسكرية أو ملجأ للمشردين، وكيف يمكن لمعلم أن يؤدي رسالته التربوية وهو لا يجد قوت يومه، ولا يأمن على حياته وعرضه من رصاصة طائشة أو انتهاك غادر؟ إن الادعاء بتوسيع فرص التعلم في مناطق تسيطر عليها فوهات البنادق وتغيب عنها أبسط مقومات الدولة المدنية، هو مجرد ذر للرماد في العيون، ومحاولة بائسة لتجميل وجه الحرب القبيح بمساحيق تنموية زائفة، ذلك أن الواقع الميداني يصرخ بأن استمرار الحرب حتى 2040 يعني تدميرا كاملا للرأسمال البشري السوداني، وتخريج أجيال مشبعة بثقافة العنف والجهل. يمضي دقلو في خطابه ليشير إلى أن قواته تسعى إلى حل جذري يضمن عدم تكرار النزاعات مستقبلا، مؤكدا رفضه التام للعودة إلى الأوضاع التي سبقت الحرب. ظاهريا، قد يبدو هذا المطلب جذابا، لكن الغوص في عمقه يكشف عن مغالطة تاريخية كبرى، وهي إن التاريخ الإنساني، وخاصة تاريخ الحروب الأهلية في القارة الأفريقية، يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الحلول الجذرية المستدامة لا تُصنع أبدا بفوهات البنادق وفرض الأمر الواقع العسكري. العنف لا يولد في الغالب إلا عنفا مضادا، والحروب التي تهدف إلى إقصاء الآخر وتحقيق نصر عسكري ساحق على جثث الخصوم والمدنيين، غالبا ما تفشل في تحقيق الاستقرار، بل تزرع بذور صراعات أشد قسوة وثأرات تتوارثها الأجيال في المستقبل. إن رفض العودة إلى الأوضاع التي سبقت الحرب، هو مطلب شعبي ثوري مشروع فقط إذا كان يعني التأسيس الحقيقي لدولة مدنية ديمقراطية عادلة، تحترم التعددية وتصون حقوق الإنسان، ولكنه يتحول إلى كارثة وطنية محققة إذا كان يعني استبدال تسلط شمولي بتسلط عسكري آخر، أو استبدال نظام قديم منهار بنظام ميليشياوي جديد يفرض سيطرته بقوة السلاح ويحكم عبر واجهات حكومات تأسيس تولد في كنف البنادق وتفتقر لأي تفويض شعبي ديمقراطي. لا يتوقف الخطاب عند حدود التهديد بإطالة أمد الحرب، بل يتطرق بخطورة بالغة إلى الإشادة بما وصفه بالشباب القادم، مؤكدا وجودهم بالآلاف لتحقيق هدف ما أسماه تحرير البلاد من مجرمي الحركة الإسلامية. إن هذا الاستنفار العاطفي والتحشيد المستمر تحت غطاء تصفية الحسابات السياسية أو الأيديولوجية ليس سوى غطاء تكتيكي مكشوف لاستمرار أمد الحرب وتبرير التعبئة العسكرية المستمرة. إن تحويل قضية وطنية معقدة، تتطلب حوارا سياسيا واجتماعيا عميقا، إلى ثأر عسكري دموي، وإقناع آلاف الشباب بتقديم أرواحهم في معارك عبثية تمتد لسنوات وعقود، هو جريمة تاريخية في حق شباب السودان، إذ أن هذا الشباب العظيم الذي فجر ثورة سلمية أذهلت العالم، كان ينبغي أن يُستثمر جهده وطاقته في مسارات البناء والإعمار والابتكار والتعليم الحقيقي، لا أن يتم تحويله إلى مجرد وقود رخيص لمعركة صفرية طاحنة لا منتصر فيها، معركة لا تخدم سوى طموحات أمراء الحرب وأجنداتهم السلطوية. في الختام.. يقف الخطاب الأخير لمحمد حمدان دقلو كمرآة عاكسة ومؤلمة لعمق المأساة السودانية، وكدليل قاطع على أن العقلية السلطوية والتفكير الدائم حول الكرسي، هما العائق الأول أمام أي استقرار. إن الأزمة السودانية المتطاولة لا تكمن في نقص الموارد أو غياب الكفاءات، بل تكمن في هذه العقلية التي ترى في الوطن مجرد غنيمة حرب، وفي المواطنين مجرد أضرار جانبية يمكن التضحية بهم حتى عام 2040 من أجل تحقيق نصر موهوم. إن القيادة الوطنية الحقيقية، والبطولة الخالصة، ليست تلك التي تقود شعبها بصلف إلى المحرقة، بل هي القيادة التي تمتلك من الشجاعة والتجرد ما يكفي لتقديم التنازلات المؤلمة من أجل حقن دماء شعبها اليوم قبل الغد. من المستحيل أن تجد الأزمات السودانية طريقها للحل والعلاج النهائي ما دامت لغة السلاح هي الحاكمة، وما دام هناك من يرى أن طموحه السياسي يستحق إبادة وطن. الشعب السوداني الصابر لا يستحق أن يظل رهينة في صراع جنوني لا أفق له، بل يستحق وطنا تسوده العدالة، وأفقا مشرقا لأبنائه، والأهم من ذلك كله، يستحق أن ينام ليلة واحدة دون أن يوقظه صوت الموت، يستحق صمت الرصاص الآن، وبلا شروط.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة