في مشهدٍ انقلابي تتداخل فيه التناقضات مع الخطاب الرسمي، يبرز تصريح جبريل إبراهيم حول استحالة إلغاء اتفاق سلام جوبا باعتباره حجر الزاوية الذي أتى به إلى منصب وزير المالية. التصريح في ظاهره دفاع عن اتفاق سياسي، لكنه في جوهره يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول شرعية التمسك بالاتفاقات في ظل واقع انقلابي تم فيه تقويض الوثيقة الدستورية نفسها. فكيف يمكن الحديث عن قدسية اتفاق جوبا، بينما الوثيقة الدستورية — التي تُعد الإطار الأعلى المنظم للفترة الانتقالية — قد تم تجاوزها أو تمزيقها عملياً عبر تفاهمات ثنائية مثل ما يُعرف باتفاق "الموز"؟ هذا التناقض لا يعكس فقط ازدواجية في الخطاب، بل يكشف عن أزمة عميقة في مفهوم الشرعية السياسية، حيث يتم التمسك بما يخدم البقاء في السلطة، والتغاضي عما يقيّدها. وإذا كان جبريل يتمسك بشرعية اتفاق جوبا لأنه أتى به إلى وزارة المالية، فإن السؤال الأكبر يتجه نحو عبد الفتاح البرهان: ما هو الأساس الذي يحكم به اليوم؟ فإذا كانت الوثيقة الدستورية قد أُفرغت من مضمونها، والاتفاقات السياسية تُستخدم بشكل انتقائي، فإن السلطة تتحول من إطار مؤسسي إلى ممارسة فردية، أشبه بحكم "الدوشكا" — حيث القوة هي المرجعية، لا القانون. هذا الواقع يجعل البرهان في وضع لا يُحسد عليه، أقرب إلى حاكم معزول داخل حدود مكتبه، يملك سلطة الأمر الواقع، لكنه يفتقر إلى السند الدستوري والسياسي. وهنا تتجلى المفارقة: انقلاب بلاشرعية، بلا وثيقة، واتفاقات بلا مرجعية، وخطاب انقلابي يبرر نفسه بنفسه. في النهاية، الأزمة ليست في اتفاق جوبا بحد ذاته، بل في غياب منظومة متماسكة تحكم العلاقة بين الاتفاقات والوثائق الدستورية. فالدولة لا تُدار بالانتقائية، ولا تُبنى بالتحالفات المؤقتة، بل تحتاج إلى عقد اجتماعي واضح يُحترم من الجميع — لا أن يُستخدم كأداة عند الحاجة ويُهمَل عند التعارض مع المصالح. وهكذا تبقى "وزارة المالية بالدوشكا" تعبيراً رمزياً عن مرحلة تُدار فيها الدولة بمنطق القوة لا المؤسسية، حيث يصبح السؤال ليس من يملك الشرعية، بل من يملك القدرة على فرضها. غدا سيخرج برهان بخطاب لايفاتى يعلن انه لم يتبقى من وثيقة الموز سوى القشور ويلغى بها فى زبالة القصر فى مشهد يحاكى المخلوع الذى هو فى اثره حذو الكدر ٫٫٫٫
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة