في عالم يُفترض أنه قائم على القانون الدولي والالتزامات الإنسانية، يبرز سؤال بسيط ومحرج: ما هي الجريمة التي ارتكبها اللاجئون وطالبو اللجوء في صنعاء حتى يُتركوا خارج الحماية، على هامش الاهتمام، وفي فراغ قاتل بين التعطيل والإنكار؟
الإجابة، بكل وضوح، أنهم لم يرتكبوا أي جريمة.
اللاجئ، وفق تعريف اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، هو شخص فرّ من الخطر بحثًا عن الأمان. ليس متهماً، ولا مخالفاً، ولا عبئاً قانونياً يجب التخلص منه. ومع ذلك، يجد آلاف اللاجئين في صنعاء أنفسهم اليوم في وضع أشبه بالعقوبة الجماعية غير المعلنة.
بين ثلاث دوائر فشل
المأساة لا تعود إلى طرف واحد، بل إلى تقاطع ثلاث دوائر من العجز:
أولاً: سلطة الأمر الواقع تتعامل مع العمل الإنساني بمنطق السيادة والضبط، لا بمنطق الحماية. القيود المفروضة على الحركة، والتدخل في عمل المنظمات، خلقت بيئة تجعل الوصول إلى اللاجئين شبه مستحيل.
ثانيًا: المجتمع الدولي يتحدث كثيرًا عن “أزمة اليمن”، لكنه يتعامل مع اللاجئين داخلها كقضية ثانوية. التمويل يتراجع، والأولوية تُمنح لملفات أكثر حضورًا سياسيًا، بينما يُترك اللاجئون في منطقة رمادية: ليسوا أولوية، وليسوا منسيين رسميًا… بل مُهملين فعليًا.
ثالثًا: المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وهي الجهة المفوضة بالحماية، لكنها في صنعاء تعمل تحت قيود تجعلها عاجزة جزئيًا عن أداء دورها. النتيجة: تعليق خدمات، غياب تواصل، وانقطاع فعلي بين اللاجئ والنظام الذي يفترض أن يحميه.
التهميش ليس حادثًا… بل نتيجة
ما يحدث ليس خللًا تقنيًا مؤقتًا، بل نتيجة مباشرة لبيئة تُدار فيها الأزمات بدل حلّها. اللاجئ في صنعاء لا يُرفض رسميًا، لكنه أيضًا لا يُخدم فعليًا. لا يُرحَّل، لكنه لا يُحمى. لا يُدمج، ولا يُعاد توطينه. إنه عالق في ما يمكن وصفه بـ “اللا-وضع القانوني العملي”.
أخطر من الإهمال: الصمت
الأخطر من كل ما سبق هو الصمت.
صمت يُحوّل الأزمة إلى حالة طبيعية. صمت يُخفي المعاناة خلف عبارات مثل “قيود تشغيلية” و”ظروف استثنائية”. لكن بالنسبة للاجئ، هذه ليست مصطلحات… بل حياة يومية بلا أمان.
السؤال الحقيقي
إذا لم يكن اللاجئون قد ارتكبوا جريمة، فلماذا يُعاملون وكأنهم خارج نطاق الحقوق؟
هل لأنهم بلا صوت سياسي؟ أم لأن وجودهم لا يشكل أولوية استراتيجية؟ أم لأن النظام الدولي نفسه يقبل بوجود مناطق “استثناء” تُعلّق فيها القواعد؟
ما يجب أن يحدث
المطلوب ليس تعاطفًا، بل تصحيح مسار:
إعادة تفعيل الوصول الإنساني دون قيود تعسفية تفعيل آليات استثنائية من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (إدارة عن بُعد، ملفات طارئة، تدخل من جنيف) إدراج وضع اللاجئين في صنعاء ضمن أولويات التمويل الدولي إنهاء حالة “التعليق غير المعلن” للحقوق الأساسية الخلاصة
اللاجئون في صنعاء ليسوا ضحايا حرب فقط، بل ضحايا نظام دولي يقبل بأن تتوقف الحماية عند حدود التعقيد السياسي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة