■عندما تلتئم الشروخ تأملات في اجتماع الكتلة الديمقراطية ببورتسودان
---
●على ضفاف البحر الأحمر، حيث تتصافح رياح التاريخ مع أمواج لا تكل، عُقد الاجتماع في بورتسودان. لم يأتِ الحاضرون مرتدين ثياب السلطة المؤقتة، بل خلعوا رداءات الأنا وارتدوا عباءة الجماعة. كان الاجتماع الثاني بمثابة عيادة سياسية نادرة، تبحث في جروح تحالفات ظلت لعقود كبيوت من ورق، لا تصمد أمام أول هبوب ريح.
▪︎في تلك القاعة التي عطرتها رائحة البحر، أُدرك أن معالجة الخلل البنيوي ليست رفاهية فكرية، بل مسألة حياة أو موت لسياسي سوداني نهكته النخب وتجاهلت همومه النخب الأكثر نخبوية.
■ماذا تتهاوى التحالفات؟")
كم من تحالف رُئي ينطلق بزخم إعلامي هائل، وكأنه مشروع لإنقاذ الأمة، ثم يذوب كالسراب عند أول اختبار؟ علة تحالفات كثيرة أنها بُنيت على رؤى فوقية لم تمس الواقع، وهياكل جامدة لم ترقَ مع نبض الشارع، وقرارات فردانية أو فئوية لا تختلف عن القبلية التي يُزعم محاربتها.
▪︎فلنعترف بجرأة: معظم تحالفات الماضي كانت مجرد ماركات سياسية لتسويق بعض القيادات إعلامياً، لا تعبر عن الرؤى الجماهيرية ولا عن الحد الأدنى من التوافق حول قضايا مصيرية.
■مشروع وطني، لا كرنفال خطب
واقع اليوم بكل وجعه الممتد من دارفور إلى كسلا، ومن الخرطوم إلى نيالا، يطلب عملاً وطنياً خالصاً. ليس بيانات مستهلكة لا تشبع جوعاً ولا تروي ظمأ، بل مشروعاً يحمل هموم الناس في تفاصيل يومهم: أزمات الخبز والدواء، الملايين في مخيمات النزوح، واقتصاد منهك يحتاج إلى من يعيد النظر فيه بعين الإخلاص لا المنفعة.
▪︎الكتلة الديمقراطية هي امتداد للمشروع الوطني الثوري، وهي مدعوة لإعادة تشكيل المشهد السياسي، لتملأ الفراغ الذي أوجدته حكومة عاجزة عن مواصلة مسار الثورة التي اختطفت من الجميع. صحيح: الشعب خلف جيشه، والجيش جزء من الثورة التي أسقطت الطاغية. لذا يجب إعادة مسار الثورة لدحر التمرد، والاستعداد لانتخابات حرة، وبرلمان يعبر عن الشعب.
■لحظة قرار: سلام أم حرب؟
السودان اليوم على منعطف أشد وعورة مما يُتصور. لا مكان للتردد: إما سلام يوقف نزيف الدم مع الحفاظ على السيادة، أو حرب يُبذل الوسع لدرئها عن الشعب. على الكتلة أن تقود مبادرات تخترق جدار العزلة المحاك ضد السودان، وأن يكون صوتاً واحداً في المحافل الدولية، لا أصواتاً متناقضة كلٌ يغني على ليلاه.
■طريق قابل للتنفيذ
يكفي رؤى إنشائية لا تجد طريقها إلى الأرض. معالجة الخلل تبدأ من عتبة الاجتماعات: هياكل مرنة تعكس حقيقة المكونات، وآليات حوار عميق، واتفاق على الحد الأدنى من القضايا الاستراتيجية، ثم الانتقال إلى العمل الإنساني الجاد: قضايا النازحين، إعادة الإعمار، الاقتصاد المتهاوي، والثقافة التي تمثل روح الأمة.
فالرائد من يصلح بيته أولاً. كيف يُرجى أن تكون الكتلة نموذجاً للآخرين وفسادها الداخلي يلتهمها؟
■على وقع الموج
•عندما انتهى اجتماع بورتسودان، وقف أحد الحاضرين على الشاطئ لحظة. كان الموج يقذف بالزبد ويتجدد، وتساءل: لماذا لا تكون الأحلام السياسية كهذا البحر؟ عميقة، متجددة، صافية، تملك من القوة ما تخترق به الصخور؟
▪︎العمل السياسي في السودان يحتاج اليوم إلى شجاعة نادرة لقول الحقيقة: إما إصلاح العطب البنيوي من جذوره، وإما البقاء أسير دوامة التحالفات الهشة التي تتشكل لتختفي، كفقاعات هواء ترتفع إلى سطح الماء ثم تختفي دون أثر.
▪︎لعل الكتلة الديمقراطية تكون ذلك الاستثناء. لعل اجتماع بورتسودان يكون شعلة البداية. ولعل الصوت الواحد الذي يخرج من كل هذا التعدد يكون نجاةً لشعبٍ تعب من الانتظار.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة