"الكلمة سلاح"، مقولة نرددها في غفلة من أمرنا، وكأننا نلفظها بغير ما نعي من معناها العميق. فذلك السلاح الذي بين أيدينا – على خفته وهوانه – قد يبني من المجد صروحاً تلامس عنان السماء، وقد يحرق الأخضر واليابس فلا يبقي ولا يذر. بالكلمة نهضت الأمم فسارت في مواكب النور، وبكذبة واحدة تفتك الشعوب بنفسها فتهوي في ظلمات الدرك الأسفل. وفي زماننا هذا، حيث تتسارع الشائعات كالنار في الهشيم، وتختلط الحقيقة بالكذب اختلاط الظل بالضوء بفعل طغيان الذكاء الاصطناعي وسرعة البث، تصبح مسؤولية الإعلامي – صحافياً كان أو ناشطاً على منصات التواصل – أخلاقية وطنية قبل أن تكون مهنية. فكيف لنا أن نزن الكلمة بميزان الدقة؟ وكيف نحمي السودان من سموم الكراهية وأخبار الأمن القومي المزيّفة؟ هذا ما نحاول أن نقف عنده وقفة متأملة.
لقد أيقن الإنسان منذ فجر التاريخ أن للقلم وطأة أشدّ من وطأة السيف، وأن الكلمة الطيبة قد تنقذ روحاً كما قال شكسبير، وأن المعرفة قوة كما أكد الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون. وفي تراثنا العربي، كان الشعر ديوان العرب، والمعلقات تخلّد قبيلة أو تحطّم أخرى، فبالكلمة كان العز وبالكلمة كان الذل. يقول المتنبي:
فالكاذب أشد ظلماً من الجبان، لأنه يضلّ الفرسان ويهدي الجياد إلى المهالك، وكذلك الخبر المزوّر يظلم القادة والجنود ويقود الأمة إلى حتفها. وفي السودان، توارثنا حكمة شعبية بالغة الدلالة: "الكلام ساي ما بجيب ساي" – أي أن الكلام الفارغ لا يجلب شيئاً نافعاً. لكن المفارقة أن الكلام الفارغ اليوم، وقد صار يلبس ثياب الحقيقة ويسير في قوافل البث المباشر، قد يفتك بوطن بأكمله قبل أن ينتبه أهله إلى ما حلّ بهم.
وما نشهده في السودان من حرب إشاعات ممنهجة ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج طبيعي لتراخٍ أخلاقي أصاب كثيراً من العاملين في حقل الإعلام. فالكثير من الناشطين والصحافيين – بحسن نية أو بسوء قصد – يسارعون إلى بث الخبر قبل التأكد منه، طمعاً في المشاهدات أو في ما يسمى "السبق الصحفي". وهذا يذكرنا بمقولة عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو: "الإعلام لا يعكس الواقع، بل يصنعه". فعندما ينقل صحفي خبراً دون تثبت، فهو ليس ناقلاً محايداً، بل مشاركاً في خلق واقع موازٍ من الكذب والأوهام. والأسوأ من ذلك أن بعض الأقلام تُستخدم أداة لهدم شخصيات سياسية لمجرد الاختلاف معها، فتزيّن أعمالها أو تشوّهها عبر آلة إعلامية تكرر الأكاذيب حتى تصبح "حقيقة" في الأذهان، على حين أن تلك الحقيقة المزعومة تحمل في باطنها سمّاً قاتلاً للمؤسسات، وتفضح أسرارها، وتُضعف الأمن القومي. وكما قال الشاعر السوداني الكبير محمد المهدي المجذوب:
يا ويلَنا من لسانٍ لا نُطيقُ له ** صبراً إذا هزّه الإفكُ المُراءِ
فالإفك – وهو الكذب – إذا هزّ اللسان، لم يعد هناك صبر عليه، ولا يبقى للعاقل إلا أن يندب حظوته.
أما وقد حلّ علينا عصر الذكاء الاصطناعي، بتقنياته التي تولّد الصور والفيديوهات والصوت المزيف بإتقان يكاد يخدع البصيرة قبل البصر، فقد أصبح تمييز الحقيقة بالعين المجردة ضرباً من المستحيل. تنتشر المعلومة كالنار في الهشيم، وتشتعل الشائعة في ثوانٍ، ويصبح تتبع المصدر أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش. وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة الاعتبار للعقل النقدي، وإلى استنفار الضمير قبل أن نضغط على زر النشر. فلا ينبغي لأحد أن ينشر خبراً دون أن يسأل نفسه أسئلة ثلاثة: من المستفيد من هذا الخبر؟ ما هو مصدره الأصلي؟ وهل يخضع لمنطق العقل السليم؟ لأن غياب هذه الأسئلة يعني أننا صرنا أدوات تنقل السم دون أن نشعر.
والوطن السوداني اليوم يمر بمحنة وجودية لا تحتمل المزيد من التهور. فكل كلمة خاطئة قد تودي بحياة إنسان، وكل شائعة كاذبة قد توسّع رقعة القتال وتجعل من الصعب إطفاء النار. لذلك، على الإعلامي أن يتذوّت أخلاقيات المهنة بوعي لا بفتور. عليه أن يقدّم الدقة على السرعة، فليس العيب في التأخر بقدر ما العيب في الخطأ الفادح. وعليه أن يمارس النقد البناء، فيختلف مع المسؤول دون أن يصفه بالخيانة، وينصح دون أن يهدم. وعليه أن يحافظ على أسرار البلاد، فبعض المعلومات وإن بدت "حقائق للشعب" فهي في حقيقتها قنابل موقوتة إذا نُشرت في زمن الحرب. وعليه قبل كل شيء أن يفحص محتوى الذكاء الاصطناعي بتثبت وتؤدة، فلا يبث مقطعاً إلا بعد أن يتأكد من عدم تلاعب التقنية به.
يُروى أن أحد الحكماء قال لتلميذه: "تعلّم الصمت قبل أن تتعلم الكلام، فإن الكلمة إذا خرجت لا تعود". وفي تراثنا السوداني العريق، يقول المثل: "اللي ما يعرف يقول خير، يسكت خير له". وصدقوا، فالصمت أحياناً أبلغ من كلام يجر الويلات. اليوم، نحن في أمس الحاجة إلى إعلام واعٍ يزن كلمته بميزان الذهب، لا بميزان الإثارة والترند. فالكلمة أمانة، وهي إما أن ترفع السودان إلى العلو والسمو فتصبح نهضة، وإما أن ترمي به في الدرك الأسفل فتصبح فتكاً. فلنختر بوعي، ولنتذكر دائماً قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "رب كلمة سلبت نعمة، وجلبت نقمة".
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة