ضجّت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بتأكيدات رئيس الوزراء السوداني د. كامل إدريس لقناة "الجزيرة"؛ على "أن حكومته تسعى لإجراء حوار سياسي شامل بحلول نهاية مايو المقبل، قبل الوصول إلى تنظيم انتخابات نزيهة وحرة مراقبة دوليا وإقليميا ومحليا"؛ وأن "حكومته بصدد اتخاذ إجراءات لتهيئة المناخ للحوار بين الفرقاء، بما في ذلك تسهيل عودة المعارضين من الخارج" مشددًا على أن "العملية السياسية المرتقبة ستكون شاملة ولن تقصي أحدًا"؛ كاشفًا أن "رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان أعطى الإذن بتجديد الوثائق الرسمية وجوازات معارضين خارج البلاد تمهيدًا لعودتهم".
إذا تمعّنا بدقة في ما قاله إدريس تقفز إلى الذهن تساؤلات حتمية: هل توجهه هذا ينطلق من "عندياته" أم من اتفاق وطني كامل؟ وهل ينجح فعلًا في إرساء أرضية صلبة تمهّد لعودة جميع الفرقاء ــ بما فيهم المعارضين ــ إلى حضن الوطن؟ وما هي المرتكزات القانونية والسياسية والاجتماعية التي إنطلق منها للسعي إلى تحقيق النجاح في هذا المشروع الوطني الجامع؟ وما هي البوتقة المناسبة التي يتبعها لضمان تحقيق هذا المشروع دون أي عقبات؟
ما طرحه رئيس الوزراء يضعنا أمام لحظة مفصلية هامة في التاريخ السياسي السوداني الحديث، لكنها ليست لحظة محسومة بقدر ما هي مفترق طرق مفتوح على عدة احتمالات—بعضها واعد، وبعضها محفوف بمخاطر وتعقيدات عميقة. بداية فكرة “الحوار الشامل” في السياق السوداني القديم والحديث ليست جديدة "لنج"، لكنها هذه المرة تأتي في ظل أوجاع مؤلمة ومعاناة وإرهاق وطني غير مسبوق بسبب الحرب وما سببته من انهيار مؤسسي في كل شيء ، ما يمنحها ثقلًا مختلفًا. تصريحات د. كامل إدريس توحي بمحاولة الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق تأسيس مرحلة جديدة للعمل من خلالها على وضع أرضية صلبة للتسامي فوق الجراحات مهما كانت حدتها؛ لكن نجاح هذا التحول لا يتوقف على النوايا، بل على البيئة الحاضنة له.
هل المبادرة شخصية أم تعبير عن توافق أوسع؟ من الصعب تصور أن طرحًا بهذا الحجم يصدر كاجتهاد فردي فقط. الإشارة إلى موافقة رئيس مجلس السيادة، والسماح بعودة المعارضين، تعني أن هناك—على الأقل—قبولًا داخل دوائر السلطة. لكن هذا لا يرقى بالضرورة إلى “اتفاق وطني كامل” في وقت لا يزال تعاني فيه البلاد اليوم من تعدد الآراء حول القرار المصيري الذي نحتاجه بالفعل لعودة السودان إلى وضعه الطبيعي كقوة يشار إليها بالبنان إقليميا ودوليا، وبالتالي أي مبادرة لا تُبنى على توافق فعلي على هذه الرؤى ستظل هشة، مهما بدت شاملة في خطابها.
هل يمكن أن تمهّد هذه المبادرة لعودة الفرقاء؟ نعم، ولكن بشروط قد تكون قاسية. عودة المعارضين ليست مجرد إجراء إداري (تجديد جوازات)، بل عملية سياسية معقدة تتطلب: ضمانات حقيقية تفضي للعمل الوطني المشترك من أجل رفعة الوطن، لا وعود إعلامية. كما تتطلب: إجراءات عدالة انتقالية واضحة تنتصر للمظالم والأوجاع وما أكثرها بسبب تداعيات الحرب؛ تتطلب مضاعفة الجهود لإعادة البناء التدريجي للثقة المفقودة. بدون هذه العناصر، قد تتحول العودة إلى مخاطرة سياسية لبعض الأطراف بدل أن تكون مدخلًا للحل الوطني. ما نحتاجه فعليا من مرتكزات لنجاح المشروع الوطني الجامع يمكن إيجازها فيما يلي :
__ المرتكز القانوني: إطار دستوري انتقالي واضح يحدد صلاحيات المؤسسات وكل النخب، ويمنع تكرار إنقلابات التغوّل على السلطة. __ المرتكز السياسي: إشراك حقيقي لكل القوى، بما فيها الحركات المسلحة، القوى المدنية، ولجان المقاومة، دون انتقائية أو إقصاء مقنّع. __ المرتكز الاجتماعي: معالجة الشروخ المجتمعية الناتجة عن الحرب، وهو جانب غالبًا ما يُهمل، رغم أنه الأخطر. بدون مصالحة مجتمعية، أي اتفاق سياسي سيظل هشًا. فإذا تساءلنا : ما “البوتقة” المناسبة لإنجاح الحوار الشامل المقترح؟ بالطبع هي ليست منصة شكلية أو مؤتمرًا تقليديًا روتينيا يعقد ثم ينفض دون التوصل إلى حلول مرضية ومقنعة للجميع؛ فقد أثبتت التجارب السابقة أن الحوارات الروتينية غير المرتكزة على ثوابت وطنية دائما مصيرها الفشل .. إذن المطلوب : حوار عملي فاعل متعدد المسارات (سياسية، مجتمعية، إقليمية) ورعاية وطنية محايدة تضمن الالتزام بالمخرجات؛ ووضع جدول زمني واقعي، لا متعجل، لأن التعجل في بيئة هشة قد يعيد إنتاج الأزمة من جديد " وكأنك يا أبو زيد ما غزيت".
فالسؤال الأهم هنا: هل نحن أمام لحمة وطنية جامعة؟ أم مجرد إرهاصات وأمنيات؟ فاللحمة الوطنية لا تُعلن بقرار، بل تُبنى عبر: تنازلات مؤلمة من جميع الأطراف؛ وإعادة تعريف “الوطن” كمشروع مشترك وطني جامع نتفق جميعا على بنائه، دون أن ننظر إليه كغنيمة ربحية لملء البطون الجشعة .
نأمل أن تنجح مبادرة الحوار في خلق تحولات حقيقية تدعم فرضية السودان الموحد واللحمة الوطنية المتماسكة؛ نأمل أن تعزز المبادرة بضمانات وآليات تنفيذ قوية طموحة، لضمان ألا تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة المبادرات "الخدج " غير المكتملة النمو؛ فنحن أمام فرصة يجب ألا تضيع منا دون أن ننطلق منها في إعادة بناء اليلاد من جديد؛ فلنتذكر أن “الحوار الشامل” الذي يقوده د. إدريس كمدخل محتمل لبناء مستقبل سياسي للبلاد؛ يحتاج لعقلية واعية تدرك المخاطر والأطماع في خيرات وموارد البلاد؛ فالتجربة مع الاتفاقات السابقة – من اتفاقية السلام الشامل 2005 إلى اتفاق جوبا للسلام 2020 – تضعنا أمام حقيقة جوهرية هي أن " الأزمة ليست في غياب الاتفاق، بل في غياب الآليات الضامنة لتنفيذه واستدامته"؛ ما يعتي أن أي حديث عن حوار شامل لا بد أن يتجاوز الطابع الإجرائي إلى مقاربة تأسيسية تعالج جذور الأزمة السودانية من خلال: __ تهيئة المناخ… حيث إنه من البديهيات لا يمكن لحوار سياسي أن ينجح في بيئة مشبعة بخطاب الكراهية وانعدام الثقة، فلنضع إجراءات مناسبة للتهيئة؛ وتكون في الوقت ذاته اختبارًا حقيقيًا لجدية الأطراف واستعدادها لخدمة الوطن. __ شمولية التمثيل دون الوقوع في فخ التسييل السياسي؛ فالحوار الشامل لا يعني بالضرورة إشراك الجميع بصورة فوضوية، بل يتطلب تصميمًا دقيقًا يوازن بين التمثيل والفاعلية؛ فمشاركة القوى السياسية والحركات المسلحة ضرورية، لكن الأهم هو إدماج المجتمع المدني – من شباب ونساء ونقابات – لضمان أن يعكس الحوار تطلعات المجتمع بكافة فئاته. __ الوساطة المحايدة الضامنة للدعم الوطني بعيدا عن الوصاية؛ فقد أظهرت تجارب النزاعات أن وجود وسيط محايد يعزز فرص النجاح، خاصة في ظل انعدام الثقة. ويمكن أن تلعب منظمات بعينها دورًا مهمًا في هذا السياق، شريطة أن يكون دورها داعمًا لا مهيمنًا، يحترم السيادة الوطنية ويمنع في الوقت نفسه انهيار العملية السياسية. __ أجندة واضحة وزمن محدد بهدف كسر دائرة التسويف؛ فقد كان من أبرز عيوب الحوارات السابقة غياب الأطر الزمنية الواضحة، ما جعلها تتحول إلى عمليات مفتوحة بلا نهاية؛ ما يحتم تحديد أجندة مركزة تشمل القضايا الوطنية المصيرية، تنفذ ضمن جدول زمني صارم يضمن الانتقال من النقاش إلى التنفيذ. __ من الاتفاق إلى التنفيذ… فقد حفل التاريخ السياسي السوداني بالاتفاقات التي وُقّعت ولم تُنفذ. لذلك، فإن نجاح أي حوار مرهون بإنشاء آليات تنفيذ مستقلة، مدعومة بضمانات داخلية وخارجية، مع نظام رقابة وتقييم مستمر يضمن الالتزام ويكشف التعثر مبكرًا. __ العدالة الانتقالية؛ وهي ليست رفاهية، بل ضرورة لاستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع؛ ويتطلب ذلك الاعتراف بالضحايا، وجبر الضرر، وتعويض المدنيين المتضررين ووضع مسارات قانونية واضحة توازن بين المساءلة والمصالحة. __ إصلاح القطاع الأمني بتوحيده؛ كون تعدد الجيوش والمليشيات هو أحد أبرز معوقات الاستقرار في السودان. ولذلك، فإن أي حوار جاد يجب أن يضع على رأس أولوياته إعادة هيكلة المنظومة الأمنية، بما يشمل توحيد القوات المسلحة ودمج المجموعات المسلحة ضمن إطار وطني موحد. __ الإعلام وتعزيز دوره المحوري المنتظر في صناعة السلام؛ من خلال تشكيل الرأي العام تجاه الحوار. فبدلا من أن يكون منصة لتعزيز خطاب الكراهية والاستقطاب، لا بد أن يكون أداة لبناء الثقة وترسيخ ثقافة السلام وكل القيم الإنسانية النبيلة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى ميثاق إعلامي يواكب العملية السياسية ويحصّنها من الانهيار. __ إشراك المجتمع في صناعة القرار ؛ فإذا ظل الحوار حبيس الغرف المغلقة، فإنه سيفقد شرعيته الشعبية. ولذلك، فإن إشراك المجتمعات المحلية، خاصة في مناطق النزاع، يمثل ضمانة حقيقية لنجاح مخرجات الحوار وتحويلها إلى واقع ملموس. __ الإرادة السياسية، وبدونها تبقى كل الآليات بلا قيمة؛ فالحوار ليس ساحة لتكريس المكاسب، بل منصة لتقديم التنازلات من أجل الوطن.
خاتمة: يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق؛ إما أن يتحول الحوار الشامل إلى لحظة تأسيسية تعيد بناء الدولة على أسس جديدة، أو أن يُعاد إنتاج دائرة الفشل عبر اتفاقات هشة لا تصمد أمام اختبار الواقع. الفرق بين المسارين لا يكمن في النصوص، بل في جدية التطبيق، وفي قدرة السودانيين على الانتقال من منطق “التشتت والتشرزم” إلى أفق “الوحدة الشاملة" لبناء وطن شامخ يشار إليه بالبنان.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة