ستنتهي هذه الحرب، كما انتهت غيرها، وسيجلس قادة الأطراف المتنازعة إلى طاولة واحدة، يتبادلون الابتسامات الباردة، ويوقّعون اتفاقًا يُعلن “طي صفحة الماضي” و“بداية مرحلة جديدة”. ستُلتقط الصور، وتُكتب البيانات الرسمية بلغة مصقولة، وسيُقال للشعب إن السلام قد عاد.
لكن، أي سلام هذا الذي لا يسمع أنين الأمهات؟
في الأزقة البعيدة عن قاعات التفاوض، ما تزال أمٌ تجلس عند باب بيتها، تُحدّق في الطريق، تنتظر ابنًا لن يعود. وفي نافذةٍ نصف مفتوحة، تقف زوجةٌ شابة، تُقلب في ذاكرتها آخر كلمات قيلت، قبل أن يخطفها الغياب. وعلى أرصفة المدن المنهكة، يحمل أطفالٌ أسئلة أكبر من أعمارهم: لماذا رحل أبي؟ ومن سيعيده؟
هذه الأسئلة لا تجد مكانًا في بيانات وقف إطلاق النار.
إن مأساة هذه الحرب لا تكمن فقط في عدد الضحايا أو حجم الدمار، بل في تلك الهوة الأخلاقية التي تتسع يومًا بعد يوم بين من يتخذون القرار ومن يدفعون ثمنه. كلا طرفي الصراع يرفعان شعارات كبرى: حماية الوطن، استعادة الدولة، الدفاع عن الشرعية… لكن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة تمامًا. قصة شعبٍ تُنهك قواه، وتُستنزف موارده، وتُختزل معاناته في أرقام.
ليس من الصعب أن تُشعل الحرب، لكن من الصعب أن تُبرر دمعة طفل.
إن المسؤولية هنا لا تقع على طرف دون آخر؛ فحين يُختطف الوطن بين فكي السلاح، يصبح كل من يصر على استمرار القتال شريكًا في الجرح. ولا يمكن لأي خطاب سياسي، مهما بلغ من البلاغة، أن يُقنع أمًا بأن دم ابنها كان “ضرورة وطنية”، أو أن يُعيد الطمأنينة لطفلٍ فقد سند حياته.
لقد آن الأوان لوقفة صادقة، لا مع الذات فقط، بل مع هذا الشعب الذي صبر طويلًا. وقفة تُطرح فيها الأسئلة المؤجلة: من المستفيد الحقيقي من استمرار النزاع؟ ومن يملك شجاعة الاعتراف بالخطأ؟ ومن يضع مصلحة الوطن فوق حسابات النفوذ والسلطة؟
إن الوطن لا يُبنى بالبندقية وحدها، ولا يُحمى بإقصاء أبنائه. بل يُبنى بالعدالة، ويُصان بالمسؤولية، ويُستعاد حين يشعر كل مواطن أن حياته ليست ورقة تفاوض.
قد يتصافح القادة قريبًا، وقد تُعلن نهاية الحرب، لكن السلام الحقيقي لن يبدأ إلا حين تُعاد الكرامة لمن فقدوها، ويُحاسب من استهانوا بها، ويُعترف – بصدقٍ لا مواربة فيه – بأن هذا الثمن كان فادحًا، وأنه لم يكن يجب أن يُدفع.
أما أولئك الذين ما زالوا ينتظرون، فلهم وحدهم الحق في أن يسألوا: من باع الوطن؟ ومن سيدفع ما تبقى من الثمن؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة