الثورةُ وُجدت لتصحيح المسار، لا لهدم القيم أو إشاعة الفوضى. والديمقراطيةُ، في جوهرها، تقوم على التداول السلمي للسلطة، وتأسيس العدالة المجتمعية، والنهوض بالوطن. أمّا ما عدا ذلك من شعاراتٍ تُرفع للتضليل، أو لتبرير العنف وإراقة الدماء، فهو نهجٌ مرفوض، تُدان ممارساته ويُحاسَب عليه فاعلوه ومناصروه. ومن يتصدّى لحماية المواطن وممتلكاته، ويصون كرامته وسيادة الوطن، هو الأجدر بحمل أمانة المسؤولية، والأقدر على تصحيح المسار، وتهيئة بيئةٍ تُتاح فيها فرص المشاركة لكافة فئات المجتمع، بما يرسّخ أسس الدولة الديمقراطية.
في خضمّ ما مرّ به السودان من محنٍ عاصفة، وتحوّلاتٍ قاسية أعادت تشكيل وعي الناس بواقعهم، برزت تساؤلاتٌ جوهرية حول طبيعة ما جرى، وحدود ما يمكن قبوله أو تبريره تحت أيّ مسمّى. لم تكن الأحداث مجرّد صراعٍ عابر، بل لحظةً فارقة انكشفت فيها حقائق مُرّة، وتجلّت فيها ممارساتٌ صادمة هزّت الضمير الإنساني، ووضعت القيم والمبادئ على محكٍّ عسير.
في مثل هذه اللحظات، لا يعود الصمت خيارًا، ولا التجميل مجديًا، بل يصبح من الواجب تسمية الأشياء بأسمائها، والتمييز الواضح بين ما يُبنى عليه وطن، وما يُفضي إلى هدمه. فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بما وقع من أفعال، وبما خلّفته من آثارٍ في النفوس والمجتمعات.
يُثير الاستغراب أن يجد العنفُ من يبرّره، أو أن تصطفّ فئةٌ خلف جماعاتٍ ارتبط حضورها في الذاكرة الجمعية بأفعالٍ جسيمةٍ من قتلٍ ونهبٍ وترويعٍ للآمنين. تلك ممارساتٌ لا يمكن فصلها عن سياقها، ولا تجميلها بشعاراتٍ تُرفع؛ إذ إنّها في حقيقتها تقويضٌ لفكرة الدولة، واعتداءٌ صريحٌ على إنسانية الإنسان وحقوقه الأساسية.
لقد شهد السودان، في محطاته المؤلمة خلال السنوات الثلاث الماضية، صورًا بالغة القسوة من الانفلات، حيث انتُهكت الحرمات، وسُبيت النساء، وأُهدرت الحقوق، وتحولت الممتلكات – في منطق القوة المجرّدة – إلى غنائم يُستباح الاستحواذ عليها بالقوة أو بإقصاء أصحابها. وهي وقائع لا يجوز إنكارها أو التغاضي عنها؛ لأنها تمثل انهيارًا خطيرًا في منظومة القيم، وارتدادًا إلى شريعة الغاب التي تُعلي سطوة السلاح على سلطان القانون.
إنّ ربط مثل هذه الممارسات بمفاهيم كـ”الديمقراطية” أو “الثورة” يطرح إشكالًا عميقًا؛ فهذه المفاهيم، في أصلها، تقوم على حماية الحقوق لا انتهاكها، وعلى بناء دولة القانون لا تقويضها. فالديمقراطية ليست شعارًا يُرفع، بل منظومةٌ أخلاقية وقانونية تقوم على الشفافية، والمساءلة، وصون الحقوق، وترسيخ العدل والمساواة بين المواطنين.
كيف يُرجى من منتهكٍ للحقوق أن يكون حارسًا لها؟ وكيف يُنتظر من متورّطٍ في سفك الدماء وترويع الأبرياء أن يُسهم في ترسيخ العدالة؟ إنّ العدالة لا تُبنى على أنقاضها، ولا تستقيم في غياب المساءلة.
إنّ ما يحتاجه السودان اليوم ليس إعادة إنتاج الفوضى تحت مسمّياتٍ مختلفة، بل مشروعٌ وطنيٌّ جامع، يقوم على الاعتراف بالانتهاكات، ومعالجة آثارها، وبناء دولةٍ تحتكم إلى القانون، لا إلى القوة. دولةٌ تُصان فيها الكرامة الإنسانية، وتُحفظ فيها الحقوق، ويشعر فيها الإنسان بالأمان على نفسه وأهله وممتلكاته.
فالديمقراطية، في جوهرها، نقيضُ الفوضى، ونقيضُ تحويل المال العام والخاص إلى غنيمة، ونقيضُ استباحة الدماء والأعراض. وهي، قبل كل شيء، التزامٌ أخلاقي قبل أن تكون نظام حكم؛ التزامٌ بألّا يُظلم إنسان، ولا يُعتدى على حق، ولا يُترك انتهاكٌ بلا مساءلة.
إنّ بناء الأوطان لا يقوم على الشعارات، بل على صدق الفعل وعدالة الممارسة. وما لم تُصن الحقوق، ويُحتكم إلى القانون، ستظلّ أيّ محاولةٍ للنهوض ناقصةً ومهدّدةً بالانهيار. فالدولة العادلة هي التي لا يُستباح فيها إنسان، ولا يُختزل فيها الوطن إلى غلبةٍ أو سلاح، بل يُصان فيها الإنسان بوصفه الغاية الأولى والأخيرة لكل مشروعٍ وطنيٍّ حقيقي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة