بعد الكوارث التي خلّفتها الحرب المدمّرة على يد المليشيات القارية المدعومة من دول الاستكبار والصهيونية العالمية، وهي الحرب التي قضت على الأخضر واليابس عبر تنفيذ أجندات خارجية بالاستيلاء على السلطة وفرض واقعٍ جديد، توهّمًا بأن مقدراتهم العسكرية وما حُشد لها من تسليحٍ حديث ودعمٍ غير محدود قد يمكّنهم من هزيمة من يصون البلاد والعباد ويقود حرب الكرامة والعزة.
الحرب التي طالت الأرواح والممتلكات والبنية التحتية، ونهبت مؤسسات الدولة البنكية ومدخرات المواطنين، وأحرقت دور العبادة والمستشفيات والمدارس بصورةٍ منهجية، والتعامل معها كأهداف، وما صاحب ذلك من حرق المنازل وهدم مساكن المواطنين في المناطق التي طالتها الأيادي الآثمة، وأجبرت أعدادًا كبيرة منهم على النزوح أو اللجوء إلى دول المهجر، وحالت دون عودتهم إلى مأواهم ومساكنهم، لم يعد ممكنًا التعامل مع ما جرى بوصفه مجرد حدثٍ عابر في تاريخ البلاد.
لقد كشفت هذه الحرب ما كان خافيًا تحت السطح، وعرّت حجم التحديات البنيوية التي ظلّت تتراكم لسنوات طويلة حتى انفجرت بهذا الشكل الكارثي.
أحد أبرز ما أظهرته هذه الأزمة هو تصاعد مشاعر الاحتقان، التي تغذّت في بعض جوانبها على تصوّرات غير دقيقة، وفي جوانب أخرى على شعورٍ حقيقي بالتهميش وغياب العدالة في توزيع الخدمات والفرص. غير أن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن المعاناة لم تكن يومًا حكرًا على إقليمٍ بعينه أو فئةٍ محددة، بل امتدت بدرجاتٍ متفاوتة لتشمل معظم أنحاء السودان، حيث يعاني المواطن، في المدن والقرى على حد سواء، من ضعف الخدمات الأساسية وغياب مقومات الحياة الكريمة.
وفي هذا السياق، تبدو صورة العاصمة الخرطوم مثالًا معبّرًا عن هذا الخلل؛ إذ شهدت بعض مظاهر التوسع العمراني، لكنها في كثيرٍ من الأحيان لم تستند إلى بنيةٍ تحتيةٍ متكاملة، ولا إلى تخطيطٍ مؤسسي قادر على استيعاب هذا التمدد. بل إن جانبًا معتبرًا من هذا التطور تم بمبادراتٍ فردية، بعيدًا عن دور الدولة المفترض في التخطيط والتنظيم وتوفير الخدمات الأساسية.
ولا يمكن فصل هذه الإشكالات عن واقع الفساد الإداري، الذي لم يعد ظاهرةً هامشية، بل تحوّل إلى نمط سلوكٍ متجذر في عددٍ من مؤسسات الدولة وقطاعات المجتمع. فاستغلال النفوذ، والمحسوبية، والاصطفاف خلف مراكز السلطة لتحقيق مكاسب شخصية، أصبحت ممارساتٍ شائعة لا تقتصر على فئةٍ دون أخرى، ولا يمكن نسبتها إلى مكوّن اجتماعي بعينه.
من هنا، فإن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في هذه الاختلالات، بل في الطريقة التي يُتناول بها النقاش حولها؛ إذ يميل البعض إلى اختزال الأزمة في صراعاتٍ جهوية أو إثنية، وربط مظاهر الفساد أو الفشل بهوياتٍ محددة، وهو مسار لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإضعاف فرص المعالجة الحقيقية.
إن ما يحتاجه السودان اليوم هو خطابٌ وطني مسؤول، يقوم على الموضوعية، ويُوجّه النقد إلى الممارسات لا إلى الانتماءات، ويبحث في جذور الأزمة بدل الاكتفاء بمظاهرها. خطابٌ يعترف بعمق المشكلة، لكنه في الوقت نفسه يرفض تحويلها إلى أداةٍ لتبادل الاتهامات أو تكريس الكراهية.
كما أن تجاوز هذه المرحلة يتطلب الانتقال من التشخيص إلى الفعل، عبر وضع آلياتٍ واضحة للإصلاح ترتكز على سيادة القانون، وتعزيز الشفافية، وتفعيل مبدأ المساءلة، إلى جانب ضمان توزيعٍ عادل للموارد والخدمات.
فالدولة التي تقوم على العدالة لا تترك مجالًا للشعور بالتهميش، ولا تسمح بتحوّل الاختلاف إلى صراع.
ولا يكتمل هذا المسار دون دورٍ فاعل للإعلام، الحكومي والخاص، في توجيه الرأي العام نحو ثقافة التعايش والسلام، ومواجهة خطاب الكراهية، وتصحيح الصور النمطية التي تغذّي الإحساس بالدونية أو الإقصاء. فالإعلام ليس مجرد ناقلٍ للأحداث، بل شريكٌ أساسي في تشكيل الوعي وبناء الثقة بين مكوّنات المجتمع.
وفيما يتعلق بقطاع التعليم، فإن الصورة أكثر تعقيدًا مما يُطرح أحيانًا في الخطاب العام. فقد شهدت بعض المناطق التي تُصنّف على أنها مهمّشة توسعًا في إنشاء الجامعات والمؤسسات التعليمية، إلى جانب تخصيص نسبٍ استثنائية لإتاحة الفرص لأبنائها، بما يتوافق مع الحاجات السكانية والتنموية. وفي المقابل، تعاني مناطق أخرى يُعتقد أنها متمتعة بالامتيازات من ضعفٍ في مقومات الحياة الأساسية، ما يجعلها طاردةً لسكانها.
وهذا التباين يكشف أن الأزمة ليست في توزيع الفرص بقدر ما هي في غياب رؤيةٍ تنموية متوازنة وشاملة، تأخذ في الاعتبار جودة الخدمات واستدامتها، لا مجرد توزيعها الجغرافي. فالتعليم، كغيره من القطاعات، يحتاج إلى تخطيطٍ استراتيجي يربط بين مخرجاته واحتياجات المجتمع، ويضمن العدالة والكفاءة في آنٍ واحد.
إن إعادة بناء الوطن ليست مهمةً سهلة، لكنها أيضًا ليست مستحيلة؛ فهي تبدأ بإعادة بناء الوعي، وترسيخ فكرة أن ما يجمع السودانيين أكبر مما يفرقهم، وأن العدالة لا تتجزأ، وأن الفساد حين يُدان يجب أن يُدان بوصفه سلوكًا لا هوية.
في نهاية المطاف، لا يمكن لوطنٍ أنهكته الحروب والانقسامات أن ينهض بخطابٍ يُعيد إنتاج أزماته. وحده الخطاب العادل، الجامع، والقائم على الحقائق، هو القادر على فتح الطريق نحو مستقبلٍ أكثر استقرارًا وإنصافًا.
فالأوطان لا تُبنى بتبادل اللوم، بل بإرادة الإصلاح، ولا تُحفظ بالانقسام والتشرذم، بل بالعدالة التي تشمل الجميع، وبالترفع عن التقوقع، والارتقاء إلى مستوى الوطن ومتطلبات المواطنة.
غير أن من المهم أيضًا التنبّه إلى خطورة انجراف بعض المجموعات التي تشعر بالتهميش خلف أطرافٍ تسعى إلى استغلال هذا الشعور لتحقيق طموحاتٍ سلطوية أو مصالح ضيقة، قد تصل إلى حد تهديد كيان الدولة نفسها. فهذه التحالفات، مهما بدت مبرّرة في ظاهرها، قد تفتح الباب أمام مشاريع لا تخدم الوطن، بل تُفاقم أزماته وتُعمّق جراحه.
إن الوعي بهذه المخاطر، ومواجهتها بالحوار العادل والتنمية المتوازنة، هو الطريق الأجدى لحماية الوطن من التفكك، وصون مستقبله من رهاناتٍ خاطئة لا يدفع ثمنه إلا المواطن البسيط ، ويظل الوطن هو الخاسر الأكبر إن لم تتوحد الإرادة الوطنية علي كلمة سواء.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة