بعد مؤتمر برلين، يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: هل نملك الوعي الذي يمكّننا من قراءة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بسطحها؟ فالأحداث الكبرى — من انقلاب 25 أكتوبر 2021 إلى اندلاع حرب 15 أبريل 2023 — لم تكن مفاجآت معزولة، بل نتائج مباشرة لأخطاء سياسية ارتكبتها القوى المدنية التي قادت الفترة الانتقالية، واستغلتها قوى الردة والظلام لتنفيذ مشروعها المضاد لبناء دولة القانون والمؤسسات.
لقد انشغلت القوى المدنية بالقضايا الجزئية، وابتعدت عن معالجة جذور الأزمة الوطنية، وتجاهلت ضرورة الذهاب مباشرة إلى عقد مؤتمر وطني جامع يخاطب جذور الأزمة ويخرج بميثاق اجتماعي سياسي يعبر عن إرادة الشعب السوداني، ومن ثم الشروع في تفكيك البنية التي صنعت الاستبداد منذ 1989.
هذا الفراغ في الرؤية مكن القوى الطفيلية من إعادة تنظيم صفوفها، والتمدد داخل مؤسسات الدولة، حتى تمكنت من تنفيذ انقلابها في 2021، ثم جرّ البلاد إلى الحرب في 2023.
وما زاد المشهد تعقيدا أن القوى المدنية — بعد إشعال الكيزان للحرب — اختارت شعار الحياد، وكأن الحياد بطولة وإنجاز عظيم، بينما المرحلة كانت تتطلب موقفًا وطنيًا شجاعًا لا يخشى التضحية من أجل حماية مسار التحول المدني الديمقراطي.
فالحياد في لحظة الانهيار ليس حكمة، بل انسحاب من المسؤولية التاريخية.
إن قراءة ما بعد مؤتمر برلين لا يمكن أن تنفصل عن هذه الحقائق. فالمؤتمر، رغم أهميته الإنسانية، لم يقترب من جذور الأزمة، ولم يتناول البنية التي أنتجت الحرب، ولم يواجه القوى التي عطّلت بناء الدولة منذ عقود. فالتعهدات المالية لا توقف الحرب التي أشعلتها القوى الطفيلية التي لها مصلحة في استمرارها، كما أن التعهدات المالية لا تعالج غياب الوعي السياسي الثوري القادر على مواجهة مشروع قوى الردة والظلام.
المرحلة تتطلب بناء وعي نقدي حقيقي يشخّص الأخطاء بوضوح، ويكشف أوجه القصور التي سمحت بتمرير الانقلاب وإشعال الحرب وإطالة أمد الأزمة الوطنية.
كما تتطلب بناء وعي ثوري يمكّن الشعب من استجماع عناصر قوته الأساسية، ويعيد القوى السياسية إلى مقدمة الصفوف دفاعًا عن الثورة وشهدائها، بدل الانكفاء إلى أدوار منظمات المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية.
إن مواجهة قوى الردة والظلام — التي اختطفت المؤسسة العسكرية منذ 1989 — لا تتم بالشعارات ولا بالتمنيات، بل بوعي ثوري قادر على الربط بين الماضي والحاضر واستشراف آفاق المستقبل، وعي ثوري قادر على الاعتراف بأن ما حدث لم يكن قدرا، بل نتيجة خيارات سياسية خاطئة كان يمكن تجنبها لو تم التعامل مع جذور الأزمة بجدية ومسؤولية في اللحظة التاريخية المناسبة.
مهام ما بعد مؤتمر برلين لن تحددها البيانات ولا التعهدات، بل نوع الوعي الذي يجب أن يتبلور عند القوى المدنية التي لجأت إلى الحياد. تحالف صمود يجب أن يشكّل وعيه من داخل الصراع لا من خارجه؛ فما حدث خلال السنوات الثلاث من الحرب التي أشعل فتيلها الكيزان ينبغي أن يبلور لديه وعيًا يملك الشجاعة اللازمة لاتخاذ الموقف الوطني الصحيح. وعي يرفض الحياد، وعي يواجه مشروع الردة والظلام، ويعيد للثورة معناها ومسارها. وعي يدرك أن بناء دولة القانون والمؤسسات هو المعركة الحقيقية، وأن التراجع عنها هو خيانة وجبن لا يليقان بنضال شعبنا الجسور.
عندما يتشكل الوعي الثوري الحقيقي، يصبح المستقبل ممكنًا، مهما كان الظلام كثيفا.
الطيب الزين / كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة