بما أن علم الاقتصاد هو في جوهره علم اجتماع، فإنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلم الإحصاء، ذلك العلم الذي يوفر الإثباتات والبراهين الموثقة بالنسب والأرقام الحسابية، مما يعزز المحتوى ويمنحه مصداقيته. فالإحصاء لا يقتصر دوره على جمع البيانات، بل يقوم بوظائف محورية تدعم علم الاقتصاد، خاصة في مجالات دراسات الجدوى، وإعداد الموازنات، ورسم السياسات الاقتصادية، سواء على المستوى الكلي أو الجزئي، إلى جانب التنبؤات التي تُبنى عليها الموازنات العامة للدولة والولايات، في إطار الناتج المحلي والناتج القومي. وبذلك، يسهم الإحصاء في رسم خرائط دقيقة للواقع الاقتصادي بكل تفاصيله غير أن هذا الترابط الوثيق بين الاقتصاد والإحصاء يكاد يكون مفقوداً في التجربة السودانية، حيث تم تهميش مصلحة الإحصاء بشكل لافت، الأمر الذي انعكس سلباً على جودة التخطيط الاقتصادي، وأدخل البلاد في دائرة من القرارات المرتجلة التي تفتقر إلى السند العلمي وفي واحدة من أكثر الصور تعبيراً عن هذا الخلل، طرحت سؤالاً بسيطاً على عدد من قيادات الصف الأول في الملف الاقتصادي بإحدى ولايات السودان الغنية: كم يبلغ الناتج المحلي لتلك الولاية؟ كانت الإجابات صادمة… أحدهم أقسم مغلظاً بأنه كان بصدد إعداد دراسة ويبحث عن هذه المعلومة ....!! وثانٍ قال بوضوح: لن تجد من يجيبك على هذا السؤال في هذه الولاية ....! أما الثالث فكان أكثر صراحة حين قال: لا أعلم، وهذه أول مرة أسمع بمثل هذا السؤال ..!! حقيقةً، أدهشتني هذه الإجابات، بل وأثارت في نفسي تساؤلات عميقة: كيف يُعهد بإدارة أخطر ملف اجتماعي ـــــ يمس حياة الناس ومعايشهم ـــــ إلى كوادر لا تملك أبسط المؤشرات الأساسية للنشاط الاقتصادي ...... وقواعده الاساسية ؟! فالناتج المحلي، منذ اعتماده كمؤشر معياري عالمي، يُعد من أهم أدوات قياس الأداء الاقتصادي، وتحديد معدلات النمو، وتوجيه السياسات، وتحليل الاتجاهات ....... لإتخاذ القرار المناسب لتجنب المخاطر ودعم الايجابيات سعيا وراء الانضباط و الشفافية . إن أهمية الناتج المحلي للولاية لا تكمن فقط في كونه رقماً، بل في كونه يعكس القيمة الحقيقية للسلع والخدمات المنتجة من الموارد المحلية خلال فترة زمنية محددة. كما يُظهر، في المقابل، حجم الاحتياجات من السلع والخدمات، ليحدد الفارق بين الإنتاج والاستهلاك ما إذا كان الاقتصاد يحقق فائضاً أم يعاني من عجز يستدعي التدخل والمعالجة ولعل المفارقة المؤلمة أن تلك الولاية—رغم غناها الواضح بالموارد—تعاني من نقص حاد في الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والبنية التحتية. وهو واقع يثير الدهشة، خاصة وأن ما تنتجه من موارد يمكن ـــ إذا أُحسن توظيفه ـــــــ أن يفوق احتياجاتها ويفتح لها أبواب الرفاه .............. فلو تم تبني سياسات تبادل سلعي رشيدة، لكان بالإمكان تحقيق معادلات اقتصادية أكثر عدالة: نعطي ذهباً ونأخذ دواءً، نعطي سمسماً ونأخذ مدخلات إنتاج، نعطي قطناً ونأخذ طاقة… وهكذا، حتى تصبح تكلفة الطاقة في متناول الجميع. غير أن الواقع يكشف عن أزمة أعمق: أزمة إدارة، وأزمة معرفة، وأزمة غياب بيانات فالتخطيط بلا إحصاء .... بلا أرقام ..... يشبه السير في الظلام لقد تواصلت مع أحد الخبراء الذين عاصروا العهد الذهبي لمصلحة الإحصاء، وهو من القيادات التي تقلدت مواقع رفيعة في هذا المجال، فأهداني آخر كتاب إحصائي صدر في عام 2016. وحتى ذلك الإصدار—على محدوديته—يُعد أفضل مما هو متاح اليوم. ومنذ ذلك التاريخ، بدا واضحاً أن هناك تراجعاً ممنهجاً، بل وتهميشاً متعمداً لهذا الجهاز الحيوي.......! ويطرح هذا الواقع تساؤلاً مشروعاً: هل تغييب البيانات مقصود؟ وهل يتم ذلك حتى لا تنكشف الحقائق أمام الرأي العام؟ فغياب التقارير الإحصائية يعني ببساطة غياب الشفافية لا أحد يعلم على وجه الدقة: كم ننتج من الذهب؟ كم نصدر؟ ما حجم العائدات؟ وكيف تُدار هذه الموارد؟ وينطبق ذات الغموض على سلع استراتيجية أخرى مثل القطن، والثروة الحيوانية، والسمسم، والصمغ العربي، والكركدي… وغيرها من موارد كان يمكن أن تشكل عصب الاقتصاد الوطني إن مصلحة الإحصاء ليست مجرد مؤسسة حكومية، بل هي الركيزة الأساسية للتخطيط التنموي واتخاذ القرار الاستراتيجي. فهي التي توفر البيانات الدقيقة عن السكان والمجتمع والاقتصاد، وتسهم في صياغة السياسات العامة، وتقييم الأداء الحكومي، وتعزيز الحوكمة والشفافية ....... وفي ظل هذا الغياب، يجد المواطن نفسه تائهاً في واقع غامض، أشبه بما يصوره المثل السوداني: "صاحب الرايحة يفتش في خشم البقرة"… لكننا، حتى الآن، لم نجد البقرة ..!! إن إعادة الاعتبار لمصلحة الإحصاء لم تعد خياراً، بل ضرورة وطنية عاجلة فإيقاظ هذا "المارد النائم" هو المدخل الحقيقي لبناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتحقيق تنمية مستدامة، وصناعة قرار رشيد يخدم الإنسان السوداني ويحقق له الكرامة و الرفاه .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة