لعل واحد من أهمّ أجزاء السُودان هو منطقة أو إقليم دارفور والذي تعادل مساحته تقريباً حوالي ٢٠% من مساحة السُودان ويسكنه أكثر من ٧ ملايين نسمة ، وهو يعتبر "كالفورنيا" السُودان من حيث الغني والموارد الإقتصادية والتنوع، لذلك فهو جزء هام وعزيز من دولة السُودان ، وطبيعي أن يُمثل مصدر للإهتمام وللأطمّاع الخارجية الإقليّمية والدولية منذ قديّم الزمان وحتي اللحظة ، وكذلك هو بلا شك مصدر ثراء إقتصادي مادي وبشري للسُودان والسُودانيين ولاغني عنه لأجل تقوية السُودان كدولة وشعب بدرجة قد لاينتبه لها "البعض" من قاصري النظر أو من لايرون غير ذواتهم وكُل معرفتهم به أنه "مصدر" للمشاكل والصرّاعات ولافائدة منه ، دون أن يسألون أنفسهم لماذا جاءت هذه الصرّاعات ولماذا لايُراد لها الحلّ وما مدي علاقتها بأزمة جميّع السُودان ودون أن يجعلون منه مفتاح للحل وليس تعميّق للأزمة ، وعلي رأس هؤلاء جميّع الأنظمة المُتعاقبة علي الحُكم في السُودان مُنذ الإستقلال خاصة في عهد حُكم الإنقاذ والإسلاميين ، مع عدم إعفاء جميّع النخب من السُودانيين سواء خارج الإقليّم أو داخله من مسؤلية تردي أوضاعه لدرجة سعي بعضهم أو عملهم أو تساهلهم لفصله عن بلادنا والتفريط فيهو بكُل عدم مسؤلية و خنوع ولامُبالة ، وبكل سهولة ولانقل بتآمر وتعاون مع من يضمرّون لنا الشر أو يحاولون تمزّيقنا... يُعتبر دارفور كغيره من أجزاء السُودان المُمتدة جُغرافيا وتاريخ مكان للتنوع والتعدد العرقي والإثني والقبلي والثقافي ، بل والأكثر تنوعاً ، إذ تعيش فيه بحسب الإحصائيات أكثر من ١٠٠ قبيلة متنوعة ذات أصول أفريقية وعربية ، مُستقرة أصيّلة ومُتنقلة ، ولعل أكبرها وأشهرها الفور والزغاوة والمساليت والتنجر والتامة والفلاتة وغيرها من القبائل ذات الأصول الأفريقية كما توجد قبائل المسيرية والرزيقات والتعايشة والبني هلية والمحاميد وغيرها مما يُطلق عليها القبائل ذات الأصول العربية ، وكل هذا التنوع القبلي له كذلك تداخل قبلي مع دول الجوار في تشاد وأفريقيا الوسطي و ليبيا وبعض القبائل الصحراوية كذلك ولأنها تاريخياً ظلت أرض هجرات وتلاقي وتلاقح بين جميّع مكوناتها ، وبرغم هذا التعايش ومنذ قرون ونسبة للصراعات علي الموارد وندرتها خاصة في المرعي والمياه ولطبيعة ونمط الحياة ومصدر الرزق سواء في الزراعة والرعي وإمتلاك الأراضي ظلت هنالك صراع عليها ، وبمرور الزمن وظهور فترات الجفاف تحول إلي صرّاع مُسلح ذو جذور عرقية وقبليّة مابين القبائل ذات الأصول الأفريقية التي تعتمد علي الزراعة ومابيّن القبائل المتنقلة أو ذات الأصول العربية التي تعتمّد علي الرعي ، مع الأخطاء التاريخية في تسليح القبائل من الأنظمة التي حكمت السُودان لاحقاً وإنتشار السلاح نسبة للحدود المفتوحة وظهور ظاهرة النهب المُسلح والإقتتال ، أضافة لفقر الإقليّم تنموياً وتهميشه من قبل حكومات المركز ، وتعميّقها للصرّاع وسوء الإدارة وإستقطاب رجالات الإدارة الأهليّة وزعماء القبائل والفشل في حلّ الصرّاعات ، حتي تفجر الصرّاع المُسلح وظهور الحركات المُسلحة و تسليح القبائل العربية وظاهرة مايُعرف بي"الجنجويد" ، في عهد الإنقاذ وبداية الحرب في الإقليّم منذ ٢٠٠٣ وأستمرارها لأكثر من ٢٠ عاماً مع فترات مُتقطعة في الإستقرار أو السلام لبعض أجزائه دونما حل وإستقرار وسلام دائم ، وشهدت تلك الفترة والحرب الطويلة الإبادة الجماعية لأكثر من "٣٠٠" ألف لأهل دارفور والعديد من الإنتهاكات وجرائم الحرب والنزوح والتشرّد للملايين غير الإغتصابات والجرحي وفقد المُمتلكات وحرق القري والمُدن ، مما أستدعي تدويل قضية الإقليّم وصدور عدد من القرارات الأممية بشأنه ودخول قوات وحظر للسلاح والطيران ، وكل ذلك لم يساهم بشكل مُباشر وإيجابي في إنهاء الصرّاع المُتجذر والإنقسامات والتي تفجرت بصورة أكثر وحشيّة مابعد حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣ وتجدد الحرب فيه كما في بقية أجزاء السُودان ، مع وجود صور أخري لطبيعة الصرّاع وتحالفات الحرب أدت لتكوين حكومات موازية وتنازع للشرعيّات في السُودان نقلت البلاد لحافة التمزّق والتقسيّم الفعلي لها ، وخلقت واقعاً شديد الخطورة والتهديد لحاضر ومُستقبل السُودان وجميّع شعبه. تمتاز دارفور بموارد إقتصادية وثروات هائلة في النفط و الغاز والذهب واليورانيوم والحديد والنحاس والمنجنيز والالمونيوم والسيلكون والمعادن النادرة ، إضافة لثروة زراعية وحيوانية هائلية وغابات ومراعي ومياه جوفية وموارد سياحية عظيّمة ، كل تلك الثروات فقط تجعل من السُودان والسُودانيين أثري وأغني أغنياء المنطقة دولةً وشعب ، لذلك فإن التفريط في كُل هذا يُعتبر "جنون" و"غباء" لامثيل له ، وأن عدم السعي للحفاظ علي كُل أجزاء بلادنا وفي مقدمتها دارفور جريمة لن يغفرها الحاضرون ولا المُتأخرون من السُودانيين وتمثل إمتحان حقيقي لمجموع الوطنيين و الشرفاء و المُخلصيّن والمُستنيرين من أهل السُودان في العموم وأهل دارفور في الخصوص. كُل هذه الثروات التي تهتم لها كُل دول العالم الكُبري سواء أمريكا وروسيا والصين و أوروبا خاصة ألمانيا وفرنسا وأيطاليا وغيرها وتهتم إسرائيل كذلك وبدرجة خاصة به ضمن أجزاء أخري وحتي دول الإقليّم كالأمارات والسعودية وقطر ومصر وليبيا وتشاد جميّعها تهتم ، ولعل أقلّ من يهتمون بدارفور هم أهل السُودان أنفسهم وهذه كارثة في تقديري سواء بقصد أو عن جهل وغباء... دارفور أحد أهمّ مراكز قوتنا كدولة وشعب أو يُفترض أن تكون. سعيّنا للحلول في بلادنا يبدأ بالإقرار في فشلنا السابق في إدارة التنوع الموجود فيه ونحن ليس إستثناء من العديد من دول العالم المتنوعة والتي نجحت في إدارة تنوعها بل وصارت من أعظم وأغني الدول والشعوب وتطورت تطوراً مُذهلاً ، كذلك الفشل في التنميّة المتوازنة والتي خلقت التهميّش والفقر لأهل وسكان دارفور وغيره من أجزاء الهامش والظُلم وغيّاب العدالة والإستعلاء العرقي والثقافي وفرض الهوية الأُحادية وعدم الإعتراف بتنوعها و تفشي العنصرية مما أدي كل هذا لفتح أبواب الصرّاعات والحرب والتناحر الذي يعمّقه الأعداء ويستفيدون ويستثمرون فيه ، وتفشّي أسباب الكراهيّة وتمدد خطابها مما أدي لغياب وخلل واضح في التعايش المُجتمعي والسِّلمي ، مع تغذّية مُتعمّدة للأسف للنعرات القبليّة وتهييج وخلق الفتن وإشعالها بيّن الجماعات والمكونات المختلفة سواء لأهل دارفور أو غيرها من مناطق وأجزاء السُودان خاصة في دارفور وأطراف السُودان الأخري في الهامش في كردفان وجنوبها وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق وحتي الشمال والوسط؟؟؟ إن بعض من يحاولون طرح فصل دارفور عن السُودان كحل لإنهاء الصرّاع فيها هؤلاء تغييب عنهم للأسف علمهم بتعقيّدات المنطقة والتداخل القبلي الداخلي والخارجي له أو لايكترثون لذلك سواء كانوا من بين أبناء دارفور نفسها أو خارجها ، فهذا سيكون أبعد الطرق لأستقرار بلادنا والسلام فيها بشكل كامل. حل مشاكل دارفور جزء أصيّل من حل مشاكل السُودان جميّعها لتشابهها ، كما أن المُحافظة علي دارفور هو واجب كُل السُودانيين والسُودانيات ، وليس فقط أهل دارفور ، وأن هذا الحل ليس عصيّاً أو مُستحيلاً إن سعينا له وأخلصنا وتوحدت إرادتنا لأجله؟؟. من يتصدرون المشهد في حكومات الأمر الواقع عليهم مسؤولية تاريخية ، فبدلاً علي أن يكونوا المِعول الذي يتمزق به الوطن أن يكونوا هم من يجمّعه ويحافظ عليه وأن يتجهوا للتفاوض والحوار و وقف الحرب وتقديم التنازلات لأجل ذلك. وعلي كُل القوي السياسِية والفاعلة التقليدية والحديثة وكل الحركات عليهم أن يجعلوا من قضية وحدة السُودان والمُحافظة عليه هي القضية المركزية والشاغلة والأهم علي الإطلاق ، وفي هذا الخصوص تأتي الخطوات الشُجاعة والمسؤولة في نهج طريق للحلول الداخلية والسلمية والشاملة ، والحوار المُباشر وقبولنا جميعاً ببعضنا البعض علي إختلافاتنا والذهاب لمُشتركاتنا وتعظيّم مصالح جميّع السودانيين ، وإستشعار الخطر وترك الأنانية وقصور النظر وسفاسف الأمور ، وأن لاتكون السُلطة والصرّاع عليها هي قضيتهم المركزية وأولوياتهم أو شُغلهم الشاغل؟؟ ، وأن يعلموا يقيناً أن الخارج مهما تجمّل فهو يدافع عن مصالحه فقط التي للأسف عند بعضهم تبدأ بتقسيّمنا و إضعافنا ثم نهبنا وسرقة مواردنا وثرواتنا وحتي تاريخنا!... *#الحفاظ علي دارفور وكل أجزاء السُودان هي قضيتنا المركزية الأولي و أولوية قُصوي*
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة