كمدنيين وصحفيين، (ملكية ساكت) لا نخوض في تغييرات الجيش، ولا ينبغي لنا ذلك. فالجيش مؤسسة لها خصوصيتها، والتغييرات في هيكل قيادتها عمل روتيني مرتبط بهيكليتها ونهجها العسكري المتوارث. نحن نثق ثقة تامة في الآلية التي تتم بها هذه العملية المستمرة، فجيشنا ليس استثناء من جيوش العالم؛ إذ يجري هذا الأمر بهدوء وقبول داخل المؤسسة وخارج إطارها، محكوما بالتراتبية والأقدمية والانضباط.
بيد أن التغيير الأخير الذي أجراه قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يجوز لنا التعليق عليه من زاوية سياسية محدودة. فقد شمل هذا التغيير الذي أعتبر "الأضخم" منذ اندلاع الحرب؛ تعيين الفريق أول ياسر العطا رئيسا لهيئة الأركان العامة. ويأتي هذا في توقيت ميداني حساس، مع تصاعد العمليات في جبهات النيل الأزرق وكردفان، ويبدو أنه يهدف إلى مركزية القرار العسكري، وتوحيد غرف العمليات، وتعزيز التنسيق مع المقاومة الشعبية وكتائب الإسناد، وهو الملف الذي طالما كان العطا أحد أبرز داعميه ومهندسيه.
هنا تبرز نقطة مهمة: أعضاء مجلس السيادة العسكريون جزء من ديناميكية السياسة و"كيميائها". بينما تتم التغييرات داخل الجيش في إطار التراتبية العسكرية والأقدمية، فإن البرهان والعطا وغالبية العسكريين في المجلس تخرجوا من الكلية الحربية في دفع أقدم من الدفع التي شملها التغيير الحالي. لكن العطا الرجل "الثعلب" ليس مجرد ضابط عسكري؛ بل له عطاء سياسي كبير، لا سيما في إطار حرب الكرامة الوجودية ومدافعة مليشيا الدعم السريع المتمردة ومواليها من السياسيين الذين غرروا بها ودفعوها إلى الانتحار من أجل ما لم يستطيعوا الحصول عليه عبر الآليات المدنية والتأييد الشعبي.
في هذا السياق، يطرح السؤال نفسه: هل غمس العطا في عمق العمل العسكري يأتي على حساب عطائه السياسي، ويترك الدولة في تيه غياب العقل السياسي الفاعل؟ أم أنه يأتي في إطار تكامل هذا العطاء مع الحاجة الملحة للحسم العسكري، الذي يتطلب بدوره دربة ومشروعية سياسية؟
نعتقد أن قرار تكليفه برئاسة هيئة الأركان قرار صائب. فهو يتيح ل"الكاهن" الفريق أول البرهان أن يتفرغ لتجويد العمل السياسي، و"يخبز عجينته" ليس لصالح ورقه وانما لصالح العمل الوطني بعيدا عن ضغوط الصقور داخل المؤسسة، مع منحه مرونة أكبر في المناورات السياسية الخارجية. أما العطا، فيظل "كالغيث أينما حل نفع" ثعلب لصالح العمل الوطني، سواء في الميدان أو في السياسة وليس ثعلبا ماكرا.
في النهاية، هذه التغييرات – رغم أهميتها – لا تعكس صراعا مكتوما، بل تعزيزا للقبضة العسكرية في مواجهة التحديات. والسودان اليوم أمام مشهد جديد يشير إلى تصعيد محتمل، لكنه تصعيد محسوب يخدم هدف الحسم النهائي للمليشيا المتمردة. نثق أن الجيش، بقيادته الحالية، قادر على تحقيق التوازن بين البندقية والسياسة، لصالح الوطن والشعب.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة