قراءة في دلالات تعيين "رجل الإسلاميين" قائداً للأركان في لحظة حرجة
في 2 أبريل ، أصدر قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قراراً بتعيين الفريق ياسر العطا رئيساً لهيئة أركان الجيش، خلفاً للفريق أول محمد عثمان الحسين. للوهلة الأولى، قد يُقرأ القرار كخطوة روتينية ضمن التغييرات العسكرية الدورية. لكن عند التدقيق، يبدو هذا التعيين إعلانًا غير مكتوب عن إعادة هندسة النفوذ داخل مؤسسة عسكرية تتآكل وسط حرب وجودية، ومحاولة لإعادة التوازن قبل أن تنهار القوى داخل الجيش تمامًا.
لماذا الآن؟ لحظة ثلاثية التوتر لم يأتِ القرار من فراغ، بل تزامن مع ثلاث أزمات متشابكة :- 1/ الضغوط الدولية على الإسلاميين : بعد تصنيف الإدارة الأمريكية للتيار الإسلامي كـ"منظمة إرهابية"، أصبح حلفاء البرهان في الميدان داخل دائرة الاستهداف القانوني والسياسي. 2/ أزمة السلاح مع الفصائل المسلحة: كتائب البراء بن مالك رفضت تسليم أسلحتها بعد التصنيف الأمريكي، مما كشف هشاشة السيطرة العسكرية على الفصائل الإسلامية المسلحة التي كانت سببًا رئيسيًا في استمرار الحرب. 3/حرب استنزاف بلا حسم: الدخول في مرحلة لا يمكن فيها تحقيق الانتصار العسكري بسهولة جعل التوازن بين "الشارع"، و"الثكنة"، و"الخارج" أشبه بالمشي على حبل مشدود. في هذا المثلث المتوتر، لم يعد تعيين العطا مجرد قرار روتيني، بل ضرورة تكتيكية لإعادة توزيع أوراق القوة قبل فوات الأوان.
ياسر العطا: الرجل الذي يصلح لـ"الحبل المشدود"
يمتلك العطا سمات جعلت منه الخيار الأقل إثارة للجدل والأكثر مرونة بالنسبة للبرهان: . القرب من الإسلاميين: كان العطا أحد الأذرع العسكرية المقربة من نظام الإنقاذ السابق، وهو ما يجعله ضمانًا غير معلن بأن "لا انقلاب على الحلفاء" في أي تسوية سياسية مستقبلية. . البعد القبلي: يمنحه شرعية إضافية داخل أوساط معينة، مما يساعد في حشد التأييد وسط قاعدة عسكرية متشرذمة. . غياب السمعة السلبية دولياً: مقارنة بغيره، لا يحمل العطا ملفًا دمويًا مكشوفًا على المنصة الدولية، ما يجعله مقبولًا نسبيًا في أي مفاوضات محتملة مع واشنطن. العطا يجسد "الحبل المشدود" الذي يحاول البرهان السير عليه بين مطرقة الضغوط الأمريكية وسندان الاسلامين.
الضمانات غير المعلنة: ما تريده الكتائب حقًا
تعيين العطا ليس مجرد تكريم، بل عقد ضمني بين قيادة الجيش والتيار الإسلامي، يتضمن ثلاث بنود غير مكتوبة:- . عدم التسليم للخارج أو للمحكمة الجنائية: مقابل دعمهم العسكري، يضمن الإسلاميون ألا يكونوا ورقة تفاوض تُرمى على طاولة المجتمع الدولي. . المشاركة في أي هيكل سياسي أو عسكري لاحق: ليسوا مجرد "حلفاء مرحليين"، بل شركاء في المستقبل. . حصانة ضمنية من الملاحقة القضائية أو الأمنية داخل السودان: بعد انتهاء الحرب، لن تُفتح ملفات سابقة أو تُلاحق قيادة الكتائب. هذه الضمانات هي الثمن الذي يدفعه البرهان اليوم.
لعبة كسب الزمن: بين مطرقة واشنطن وسندان الكتائب
ما يفعله البرهان ليس استراتيجية بعيدة المدى بقدر ما هو تكتيك للبقاء. أمام واشنطن، يريد شراء الوقت رغم استمرار الضغوط. أمام الكتائب المسلحة، يختار العطا كوسيط تفاوضي بديل عن المواجهة المباشرة، التي قد تؤدي إلى تمزق الجيش من الداخل. الرهان هنا على الزمن، أو على تغير موازين القوى، أو على وساطة محتملة تغير المعادلة. لكن السؤال الذي لا يطرحه البرهان علنًا: كم من الوقت قبل أن تتحول هذه الضمانات إلى ابتزاز؟
ماذا بعد العطا؟ سيناريوهان لا ثالث لهما
. استقرار مؤقت: تنظيم صفوف الإسلاميين قد يمنح الجيش نفسًا قصيرًا في الميدان. . ضغط خارجي حاسم: تصعيد واشنطن ضد قيادات الجيش المتهمة بالارتباط بمنظمات مصنفة "إرهابية" قد يجعل التعيين بلا معنى. لا يوجد سيناريو ثالث يمنح البرهان "حلًا سحريًا".
الحبل المشدود قد ينقطع
البرهان يحتاج العطا الآن لإدارة أزمة وجودية بأدوات محدودة. إنه محكوم بين ضمانات مطلوبة من الإسلاميين، وشروط دولية صارمة، وكتائب مسلحة لا تخضع بالكامل لأوامره، وجيش معرض للتفكك في أي لحظة. تعيين العطا ليس حلاً معجزة. هو مجرد "فاصل" في مسلسل طويل من التعقيد السوداني. السؤال المفتوح الذي يختم أي تحليل جاد: هل ستنجح هذه الحركة التكتيكية في إطالة عمر البرهان السياسي، أم أن الحبل سينقطع عاجلاً أم آجلاً؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة