هذه التعيينات لا تعني أن الجيش أصبح أقوى… بل تعني أن قيادته أصبحت أكثر قلقاً، ولذلك ما صدر في 2 أبريل 2026 لا يساوي لحظة حسم، بل لحظة خوف مُقنّعة في هيئة قرار. ومن هنا تبدو التعيينات كأنها إعادة بناء للمؤسسة العسكرية، لكنها في الحقيقة محاولة سريعة لاحتواء تصدعات تتسع داخل معسكر بورتسودان، يأتي تعيين ياسر العطا في قلب القيادة ليس كنقلة نحو تماسك جديد، بل كإشارة واضحة إلى أن مركز القرار لم يعد يملك رفاهية الاختيارات المريحة. حين تضطر القيادة إلى رفع صوت التشدد داخلها لتثبيت نفسها، فهذه ليست قوة… هذه إدارة قلق.
القراءة السطحية تقول إن البرهان أعاد ترتيب الجيش. لكن القراءة التي تلامس الواقع تقول إنه أعاد ترتيب ميزان الخوف داخل معسكره. هذا المعسكر لم يعد مجرد جيش يقاتل خصماً، بل شبكة معقدة من قوى تتشارك الحرب ولا تتشارك المشروع. جيش يريد استعادة الدولة، إسلاميون يريدون استعادة السلطة، مليشيات تريد الاعتراف، وشبكات قديمة تريد العودة من بوابة الفوضى. هذا ليس تحالفاً… هذا احتشاد مؤقت حول بندقية واحدة، حيث يراقب كل طرف الآخر بقدر ما يراقب خصمه.
في هذا السياق، لا يأتي العطا كرجل إدارة، بل كرجل توازن. ليس لأنه الأكثر مهنية، بل لأنه الأكثر قدرة على مخاطبة المزاج المتشدد داخل المعسكر. اختياره رسالة مباشرة للإسلاميين والتيار الصلب تقول إنهم ما زالوا داخل اللعبة، بل في قلبها. وهذا جوهر المسألة، فالقرار لم يُصنع ليهدئ الخارج، بل ليمنع الداخل من الانفلات. أي حديث عن إصلاح عسكري هنا يخطئ الهدف، لأن ما جرى هو إعادة توزيع للرضا داخل المعسكر، لا إعادة بناء للمؤسسة.
الرابح المباشر هو التيار المتشدد الذي حصل على تطمين واضح بأنه لم يُستبعد… والخاسر هو فكرة الجيش كمؤسسة محايدة تُدار بمعايير مهنية صرفة.
لكن الأخطر أن هذه الخطوة تكشف مأزقاً أعمق. البرهان لا يستطيع كسر الإسلاميين، ولا يستطيع تسليمهم. لا يستطيع تجاهلهم لأنهم جزء من طاقة الحرب، كما لا يستطيع إطلاقهم لأنهم عبء على شرعيته الخارجية. في هذا الفراغ، يصبح الحل هو إدارة التناقض، لا حسمه. رفع رجل محسوب عليهم إلى موقع أعلى، ليُستخدم لاحقاً في ضبطهم. إرضاء وتطويق في خطوة واحدة. وهذه ليست حنكة بقدر ما هي علامة على ضيق الخيارات.
المعضلة أن هذا النوع من القرارات لا يحل الأزمة، بل يؤجل انفجارها. فحين يُرفع سقف التشدد لضبط التشدد، لا تُنهي المشكلة… بل يُعاد تدويرها في مستوى أعلى. العطا، بخطابه الحاد وسجله الصدامي، لا يمثل نقطة توازن هادئ، بل نقطة اشتعال محسوبة. وهذا قد يخدم المعسكر في المدى القصير، لكنه يرفع كلفة أي انتقال سياسي لاحق، ويُعمّق الشكوك الإقليمية والدولية حول طبيعة السلطة التي تتشكل في بورتسودان. بل أكثر من ذلك، هذه التعيينات لا تحتوي التوتر داخل المعسكر… بل قد تعيد إنتاجه بشكل أكثر حدّة حين تبدأ استحقاقات ما بعد الحرب، وتتحول الأسئلة المؤجلة إلى صراع مفتوح على السلطة والنفوذ.
هنا يسقط وهم أن القرار جزء من توزيع إقليمي جاهز. الأهم أن القرار نفسه لا يصطدم بهما لأنه لا يستطيع ذلك. ولا ينسجم معهما بالكامل لأنه لا يملك ترف ذلك أيضاً. مصر لا تريد جيشاً قوياً فقط، بل جيشاً يمكن ضبطه ولا يفتح الباب لعودة سياسية فوضوية تحت غطاء الحرب، بينما لا تبحث السعودية عن حليف صلب فحسب، بل عن سلطة يمكن التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء إقليمي أو ساحة مفتوحة للتجاذبات. والبرهان، وهو يرفع وجهاً محسوباً على التشدد، لا يستجيب لهذه المعادلة… بل يناور داخلها، محاولاً أن يطمئن الخارج دون أن يخسر الداخل، وأن يقترب من الرعاة دون أن يبدو تابعاً لهم. هذه ليست سياسة توازن… بل مناورة لتفادي ضغط إقليمي لا يمكن كسره ولا تجاوزه.
الزاوية التي يتم تجاهلها هنا أن المعركة لم تعد فقط مع الدعم السريع، بل داخل معسكر بورتسودان نفسه. تضخم القوى الحليفة، وصعود خطاب تعبوي حاد، وتداخل السياسي بالعسكري، وتزايد مطالب الشركاء في الحرب… كلها مؤشرات على معسكر يتغير من الداخل. كل هذا يجعل أي قرار في القمة أقرب إلى محاولة ضبط الانفلات لا قيادة الاتجاه. لذلك لا يجب أن نسأل فقط ماذا غيّر البرهان، بل لماذا احتاج إلى هذا التغيير أصلاً. الجواب بسيط وقاسٍ… لأنه لم يعد مطمئناً.
في هذا السياق، لا يبدو الحديث عن دمج المليشيات والقوى المساندة داخل الجيش مجرد خطة تنظيمية، بل اعتراف بأن الدولة نفسها صارت متأخرة عن قوى صنعتها الحرب. حين يصبح دمج الحلفاء هدفاً، فهذا يعني أنهم خرجوا جزئياً من السيطرة. وحين يُوضع هذا الملف في يد رجل واحد، فهذا يعني أن القيادة تحاول تحويل الفوضى إلى تسلسل قيادي قبل أن تتحول إلى مراكز قوة موازية. لكن هذا المسار محفوف بالمخاطر، لأن من يحمل السلاح لن يسلمه بسهولة مقابل وعود تنظيمية.
لهذا، نعم، هذا كسراب بقيعة. لا يمنع الانهيار ولا يبني استقراراً. يُرضي المتشددين دون أن يحسم أمرهم، ويُطمئن الخارج دون أن يقنعه، ويُبقي البرهان في موقع السيطرة دون أن يمنحه تفوقاً حقيقياً. ليس ماءً… بل وهم لا وجود له. ولهذا، فهذه ليست إعادة بناء… بل محاولة أخيرة لمنع التفكك.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة