يجب ألا ننظر لأزمة شرق السودان في وصفها اختلالًا تنمويًا أو توترًا سياسيًا مؤقتا ولكنها في الحقيقة حالة مركبة من الهشاشة البنيوية التي تراكمت عبر عقود من الإهمال المؤسسي المقصود المتمثلة في إدارة الموارد ، والتوظيف السياسي للهويات المحلية بشكل خطير . شرق السودان نموذج مكثف لفشل الدولة في تحقيق العدالة نتيجته خلل في توازن السلطة والتنمية .
رغم الموقع الاستراتيجي لشرق السودان ، خصوصًا ولاية البحر الأحمر التي تضم الميناء الرئيسي للبلاد ، إلا أن المنطقة تعيش مفارقة صارخة بين مركز اقتصادي يقابله محيط فقير ومهمّش مع غياب العدالة في توزيع الموارد حيث عائدات الموانئ لا تنعكس على المجتمعات المحلية ، كما أن هذا الاقتصاد المركزي تتحكم فيه النخب السياسية في الخرطوم ، دون إعادة استثمار محلي حقيقي ، أضف إلي ذلك إنعدام البنية التحتية من طرق ، ومياه ، وكهرباء حيث تعاني المنطقة كلها من ضعف مزمن ، يعيق أي نشاط إنتاجي ، لذلك كانت النتيجة اقتصاد محلي هش ، يعتمد على أنشطة غير مستقرة ( تجارة حدودية ، أعمال هامشية )، ما يفاقم البطالة ويغذي التوترات الاجتماعية .
بالنظر للبعد الإنساني نجد ان الفقر المزمن وانهيار الخدمات ،عنوان كبير لشرق السودان ، هذا فقر متعدد الأبعاد أنعكس ذلك على معدلات مرتفعة لسوء التغذية ، خصوصًا بين الأطفال ، وانهيار شبه كامل في النظام الصحي خارج المدن الرئيسية ، وتسرب تعليمي واسع ، خاصة بين الفتيات في المناطق الريفية . الأخطر من ذلك أن الاستجابة الإنسانية غالبًا ما تكون موسمية وتفاعلية ، وليست قائمة على استراتيجيات طويلة المدى . المنظمات الدولية تعمل في إطار إدارة الأزمة ، لا حلها ، ما يكرّس الاعتماد بدل الاستقلال .
الهشاشة السياسية تكمن في صراع النخب وضعف تمثيل أهل الشرق في مراكز القرار . فالمشهد السياسي يتسم بـتعدد الكيانات القبلية والسياسية دون إطار جامع ، التي تسعى دائما لاستغلال الهويات المحلية كورقة ضغط في الصراع على السلطة دون تقديم أهداف تنموية مستدامة .
غياب مشروع سياسي إقليمي واضح يعبر عن مصالح السكان وفشل اتفاقيات السلام ، مثل اتفاقية شرق السودان الذي وقعها موسى محمد احمد تحت اسم مؤتمر البجا واتفاق جوبا ، كل هذه الاتفاقيات لم تعالج جذور الأزمة ، بل أعادت توزيع النفوذ بين نخب محدودة ، دون إشراك حقيقي للمجتمعات القاعدية .
الشرق منطقة غنية بالتنوع الثقافي ( البجا، الرشايدة، وغيرهم )، لكن هذا التنوع تحوّل إلى مصدر توتر بسبب التهميش التاريخي ، المتمثل في غياب سياسات دمج ثقافي ولغوي عادلة ، كما ان التنافس على الموارد المحدودة (أراضي، وظائف، خدمات) هذا الواقع خلق بيئة قابلة للانفجار ، حيث يمكن لأي حدث سياسي أو اقتصادي أن يتحول إلى صراع مجتمعي .
الموقع الحدودي بدل أن تكون الحدود مع إريتريا وإثيوبيا فرصة للتكامل الاقتصادي ، تحولت إلى ممرات للتهريب والهجرة غير النظامية مما جعل المجتمعات المحلية عرضة للاختراق الاستخباراتي ونقاط توتر أمني مستمر . الدولة لم تستثمر في تحويل الموقع الجغرافي إلى منصة لوجستية إقليمية ، بل تركته ساحة مفتوحة لاقتصاد الظل وفوضى لتهريب الممنوعات . كل ما سبق يعود في جوهره إلى أزمة حوكمة بسبب مركزية مفرطة تُقصي الأطراف ، وغياب الشفافية في إدارة الموارد ، وضعف المؤسسات المحلية . فالشرق يحتاج إلى إعادة هيكلة كاملة لنموذج الحكم .
أي محاولة جادة لمعالجة أزمة شرق السودان يجب أن تنطلق من تغيير جذري في التفكير في إعادة توزيع السلطة والموارد ووضع نموذج حكم لا مركزي حقيقي ، يمنح المجتمعات المحلية سلطة القرار على مواردها ، وتحويل الموانئ والحدود إلى محركات تنمية ، عبر مناطق حرة ومشاريع لوجستية ، وبناء عقد اجتماعي جديد بهدف إلي إشراك كل المكونات المحلية في صياغة رؤية مشتركة ، بدل فرض حلول فوقية . والانتقال من الإغاثة إلى توطين الانتاج عبر برامج إنسانية مرتبطة بالزراعة ، والصيد ، والصناعات الصغيرة ) . وكذلك تفكيك اقتصاد الظل ودمج الأنشطة غير الرسمية في الاقتصاد الرسمي عبر سياسات مرنة ومحفزة .
أزمة شرق السودان تعكس خللًا هيكليًا في الدولة السودانية نفسها ، والتعامل معها كملف أمني أو إنساني فقط هو تبسيط مخل . المطلوب هو رؤية استراتيجية تعيد تعريف العلاقة بين المركز والهامش ، ويجب أن يتحول الشرق إلى نموذج لإعادة بناء الدولة من الأطراف الذي يتطلب إلي نضال ثوري مستمر وتحالفات ممتدة .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة