* ـ يرى بعض الإخوة أن كل من انتقد بعض الروايات التي في الصحيحين أو أحدهما فقوله مردود عليه، وأكد ذلك بقوله: "ولا كرامة"!
أقول: هذا تسرع غير مَرْضي، وإليك بعضَ البيان:
* ـ روى مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك أنه سمعه يقول: كان رسول الله ليس بالطويل البائن، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة.
علق ابن عبد البر في كتاب التمهيد، بعد أن ذكر رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن وعددا من الروايات في أن النبي تُوفي وهو ابن ثلاث وستين فقال: "المنفرد أولى بإضافة الوهَم إليه من الجماعة، وأما من طريق الإسناد فحديث ربيعة أحسن إسنادا في ظاهره إلا أنه قد بان من باطنه ما يضعِّفه، وذلك مخالفة أكثر الحفاظ له"
وأشار ابن حجر في فتح الباري، إلى تلك الروايات التي ذكرت القولين السابقين، ونقل عن الإمام أبي بكر الإسماعيلي أنه قال: "لا بد أن يكون الصحيح أحدَهما". [الإسماعيلي هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه المعمَّر شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الجرجاني المتوفى سنة 371 صاحب المستخرج على صحيح البخاري]. .... * ـ روى البخاري ومسلم عن قتادة بن دعامة أنه قال: سألت أنس بن مالك مَن جمع القرآن على عهد النبي؟ فقال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قلت: مَن أبو زيد؟. قال: أحد عمومتي.
ورواه البخاري بلفظ مختلف من طريق عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك عن ثابت البُناني وثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس أنه قال: مات النبي ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
قوله في الرواية الثانية "أبو الدرداء" بدلا من أبَي بن كعب يبدو أنه من أوهام عبد الله بن المثنى، وهذا وثقه جماعة وضعفه جماعة، وقال فيه ابن حجر: صدوق كثير الغلط.
قال ابن حجر في فتح الباري: [قال الإسماعيلي: هذان الحديثان مختلفان، ولا يجوزان في الصحيح مع تباينهما، بل الصحيح أحدهما. وجزم البيهقي بأن ذكْر أبي الدرداء وهَم والصوابَ أبيُّ بن كعب، وقال الداودي: لا أرى ذكر أبي الدرداء محفوظا].
لم يرتضِ ابن حجر كلام هؤلاء العلماء رحمهم الله، وحاول الرد عليهم، ولكن مناقشة هذه المسألة وترجيح أحد القولين ليس من موضوع هذا البحث، لأن المسألة التي يتعلق بها الغرض الآن هي هل ضعَّف بعض العلماء بعض الروايات المروية في الصحيحين أوْ لا؟ والجواب هو بدون شك: نعم. ... قال الإمام سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة 474 في كتاب التعديل والتجريح وهو يتحدث عن الصحيحين: "وُجد في الكتابين ما فيه الوهَم، وأخرج ذلك الشيخ أبو الحسن وجمعه في جزء، وإنما ذلك بحسب الاجتهاد، فمن كان من أهل الاجتهاد والعلم بهذا الشأن لزمه أن ينظر في صحة الحديث وسقمه بمثل ما نظرا، ومَن لم تكن تلك حالـَه لزمه تقليدُهما فيما ادعيا صحته والتوقفُ فيما لم يخرجاه في الصحيح". قوله "الشيخ أبو الحسن" يعني به الإمامَ الدارقطني.
وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري: "هذه جملة أقسام ما انتقده الأئمة على الصحيح، وقد حررتها وحققتها وقسمتها وفصَّلتها، لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا النادر".
قلت: هذا إقرار منه بأن بعض ما انتقده الأئمة على الصحيح يؤثر في أصل موضوع الكتاب، ولكنه نادر.
* ـ فهل الشافعي ويحيى بن معين وابن حنبل وأبو داود السجستاني صاحب كتاب السنن وأبو حاتم الرازي وأبو الفضل بن عمار الشهيد والعُقيلي والحافظ أبو علي النيسابوري شيخ الحاكمِ أبي عبد الله والإسماعيليُّ والدارقطني والخطابي وأحمد بن نصر الداودي وأبو الحسن القابسي والقنازعي وعلي بن خلف ابن بطال والقاضي أبو بكر بن العربي والبيهقي وابن عبد البر والباجي والقاضي عياض وابن هبيرة وابن قرقول وابن الجوزي وابن الصلاح وأبو العباس القرطبي والنووي والبيضاوي والذهبي وابن القيم وبدر الدين الزركشي والأبناسيُّ وابنُ الملقن وسراج الدين البُلقيني وزينُ الدين العراقي وابنُ حجر العسقلاني والعيني والسخاويُّ والسيوطي والقسطلاني وملا علي القاري وزين الدين المناوي ...
هل كل هؤلاء ـ وفيهم عدد من الأئمة الكبار ـ قولُهم مردود عليهم "ولا كرامة"؟! .. اللهم غفرا.
ومما يدل على أنه لا إجماع على صحة أحاديث الصحيحين بالمعنى المشهور اليوم، إجماعُ هؤلاء الأعلام الذين تقدمت أسماؤهم، على أن بعض المرويات في الصحيحين قد تطرق الخلل إلى بعض ألفاظها، ولا يُعقل أن يكون قد وقع الإجماع على مسألةٍ ما وكل هؤلاء لم يعلموه.
* ـ مسألة صحة أحاديث الصحيحين لا بد فيها من كلمة توضح الإشكال، فأقول سائلا المولى جل وعلا التوفيق والسداد والمعونة:
جمع علماء الحديث الشريف الذين اختصهم الله جل وعلا بهذه المكْرُمة منذ عصر السلف، ما وصل إليهم من أحاديث رسول الله، ودونوا في ذلك مدوناتٍ منتقاةً مما جمعوا، واختار بعضهم أن يقتصر على الصحيح في بعض تلك المدونات الحديثية.
من أولئك الذين اهتموا بجمع الصحاح البخاري ومسلم وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان وأبو عبد الله الحاكم.
وأقواهم وأدقهم نظرا في معرفة الصحيح الإمامان محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256 ومسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفى سنة 261، وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل.
لكن عملية انتقاء الصحاح من المرويات جهد بشري، فلا يمتنع أن يقع في بعض ما انتقياه بعضُ القصور، وهذا ما يفسر لنا وقوع بعض المرويات عندهما مما أعله بعض الأئمة، وهي معلولة كذلك على ذات المنهج الذي مشى عليه الإمامان البخاري ومسلم.
ولا يخفى أن صاحبي الصحيحين أرادا من تصنيف هذين الكتابين جمع المرويات الصحيحة الأسانيد والإشارة إلى بعض ما تطرق إليه الخلل من روايات تلك الأحاديث، فالبخاري يشير إلى ذلك في تصرفه في عناوين الأبواب، ومسلم يشير إلى ذلك في التقديم والتأخير، وبعض ما انتُقد هو من هذا الباب الذي لا يغيب عن ذينك الإمامين. ... (يتواصل بإذن الله) ... منقول من مقال: (أحاديث الصحيحين هل ضعَّف بعض العلماء بعضَها؟)
[كتبه صلاح الدين الإدلبي في 24/ 3/ 1439، الموافق 12/ 12/ 2017.] https:idlbi.net/sahihain/
صلاح الدين الادلبي: ولد في مدينة حلب، درَس في كلية الشريعة بجامعة دمشق، ثم في دار الحديث الحسنية بالرباط. درَّس مادة الحديث الشريف وعلومه، بالإضافة إلى عدد من المواد الشرعية الأخرى، في عدد من الجامعات والكليات الإسلامية: - جامعة الالقرويي: كلية اللغة العربية بمراكش، - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: كلية أصول الدين بالرياض، - كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي، - كلية الشريعة برأس الخيمة.
كتب عددا من الكتب والأبحاث منها: - منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، - كشف المعلول مما سمي بسلسلة الأحاديث الصحيحة، ـ منهج الإمامين البخاري ومسلم في إعلال المرويات الحديثية، - عقائد الأشاعرة مع شبهات المناوئين، - بدع الاعتقاد في التجسيم والإرجاء، - مختصر تكفير من لا يستحق التكفير.
أهم الأفكار العامة: - ضرورة التمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة - ضرورة تشجيع البحث العلمي بالمنهجية القرآنية في البحث، - نبذ التعصب بكل صوره وأشكاله، نبذ التقليد الأعمى، - إحسان الظن بالمسلمين وحمل أقوالهم وأفعالهم على أحسن المحامل مهما كان ذلك ممكنا، - إحياء روح النقد العلمي المنصف، - الدعوة إلى: "تعالوا نعمل جميعا فيما اتفقنا عليه ويحاورُ بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه". http:salahsafa.blogspot.com/p/blog-page_10 □■□■□■ نذكّر بالدعاء علي الظالمين فهو دعاء لا شك مستجاب الذين أخرجوا الناس من ديارهم بغير حق وسفكوا الدماء وانتهكوا الأعراض وأخذوا الممتلكات وساموا الناس سوء العذاب
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة