لعقود طويلة، كانت العلاقة بين الجيش السوداني والإخوان المسلمين تحالفًا مبنيًا على المصالح المشتركة، تقاسم السلطة وتثبيت النفوذ. وعبد الفتاح البرهان، قائد الجيش الحالي، لم يكن استثناءً. فقد حافظ على صلاته بالتيار الإسلامي حتى بعد انقلاب أكتوبر 2021، الذي أعاد الإسلاميين إلى واجهة المشهد السياسي. لكن تصنيف الإخوان السودانيين كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة قلب المعادلة رأسًا على عقب. فجأة، وجد البرهان نفسه مضطرًا لموازنة ولاءه التقليدي للإسلاميين مع رغبة واشنطن في محاربتهم. السؤال الذي يطرح نفسه: هل سينجح في الحفاظ على تحالفاته دون أن ينفجر الجيش داخليًا؟
تحالف مصالح لا يمكن إنكاره
الجيش السوداني مؤسسة مشبعة بالفكر الإسلامي منذ عهد نميري، مرورًا بفترة البشير. والبرهان نفسه، الذي ظل بعيدًا عن الأضواء لسنوات، برز كأحد الضباط الأقرب للإسلاميين، وعلاقاته بقادة النظام السابق كانت وثيقة. بعد أكتوبر 2021، أعاد البرهان الإسلاميين إلى مناصب حساسة، ليس بدافع المودة، بل لتعزيز سلطته: الإسلاميون يحتاجون غطاء الجيش لحماية أنفسهم من الملاحقات، والجيش يحتاج شبكاتهم الاقتصادية والاجتماعية لمواجهة العزلة الدولية وتداعيات الحرب. لكن تصنيفهم الأمريكي قلب هذه المعادلة. حلفاء البرهان أصبحوا فجأة "إرهابيين"، بينما هو مضطر لإظهار "جدية" أمام واشنطن، دون أن يحرق آخر أوراقه مع الإسلاميين.
المشهد الإقليمي.. أمريكا وإسرائيل ضد إيران والإخوان
لا يمكن فهم القرار الأمريكي بمعزل عن التحولات الإقليمية. مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، شهد الشرق الأوسط مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران . الإخوان المسلمون، الذين شهدت علاقتهم بإيران تحوّلًا في السنوات الأخيرة، أصبحوا جزءًا من شبكة النفوذ الإيراني التي تسعى واشنطن لتفكيكها. السودان، الذي تحول من حليف لإيران إلى موقع حساس في الصراع الإقليمي، أصبح ساحة لمواجهة الإخوان بشكل مباشر. التوقيت ليس مصادفة: الرسالة واضحة، في ظل مواجهة واشنطن لإيران، لن يُسمح لأي جماعة متحالفة مع طهران بالبقاء دون عقاب، حتى لو كان النفوذ محدودًا.
البرهان وواشنطن.. حرب على أكثر من جبهة
الحرب المستعرة منذ أبريل 2023 حولت السودان من أزمة داخلية إلى ملف أمني إقليمي يؤثر على المصالح الأمريكية في البحر الأحمر وشرق إفريقيا. استمرار الحرب يثقل على واشنطن وحلفائها، ويجعل إنهاءها مرتبطًا بتفكيك التحالفات التي تغذي الصراع. الإخوان المسلمون يمثلون اليوم عقبة أمام أي تسوية، وتصنيفهم كإرهابيين رسالة واضحة: لا مجال لتجاهلهم، ولن تتردد واشنطن في استخدام العقوبات والضغط لإعادة تشكيل المشهد السوداني. البرهان أمام خيار صعب: إما التخلي عن حلفائه الإسلاميين واسترضاء واشنطن، أو المخاطرة بعواقب استمرار الحرب دون دعم دولي.
الجيش بين الانقسام والانفراد
المؤسسة العسكرية ليست كتلة واحدة، بل تضم تيارات متباينة: تيار إسلامي قوي، يرى ولاءه للإخوان جزءًا من هويته العسكرية والسياسية. تيار قومي/علماني، أقل تأثيرًا لكنه قد يستغل التصنيف الأمريكي للضغط على الإسلاميين. تيار براغماتي، يساند البرهان للحفاظ على سلطته مهما كان الثمن. أي قرار للبرهان سينعكس مباشرة على وحدة الجيش. التمسك بالإسلاميين قد يثير حفيظة التيار العلماني، وتهميشهم قد يثير احتجاجات داخلية، مما يجعل الجيش الخاسر الأكبر في هذه اللعبة المعقدة.
الإسلاميون بين الصبر والضغط
الإخوان أيضًا في مأزق: البرهان حليفهم التقليدي، لكن الضغوط الأمريكية قد تدفعه للتخلي عنهم. لديهم ثلاثة خيارات: الصبر والانتظار: منح البرهان فرصة لموازنة الضغوط دون التضحية بهم. الضغط على البرهان: استخدام نفوذهم داخل الجيش للحفاظ على مصالحهم. تغيير المعادلة: التحرك ضد البرهان إذا شعروا بالتهديد المباشر. هذه الديناميكية تزيد المشهد تعقيدًا، إذ أن الإسلاميين ليسوا طرفًا سلبيًا، بل لهم أدواتهم في التأثير داخل المؤسسة العسكرية.
الجيش في مرآة النقد
الجيش، الذي يُفترض أن يكون قوة موحدة لإنهاء الحرب، يظهر اليوم كمؤسسة ممزقة بين ولاءات متضاربة. البرهان، الذي راهن على تحالفه مع الإخوان لتقوية سلطته، اكتشف أن هذا التحالف أصبح عبئًا في علاقته مع واشنطن. السودان يدفع ثمن هذه التناقضات: الجيش لم يعد مؤسسة جامعة، بل أصبح جزءًا من تعقيد المشهد، وأداة في صراع إقليمي ودولي بعيد عن مصلحة المواطنين.
اختبار وحدة الجيش ومستقبل السودان
تصنيف الإخوان السودانيين ليس مجرد عقوبة أمريكية، بل اختبار حقيقي للجيش وقيادته. في ظل الحرب المفتوحة على إيران وحلفائها، لن يُسمح للإسلاميين بالبقاء دون عواقب. السيناريو الأرجح أن يحاول البرهان تقديم تنازلات شكلية لواشنطن، مع تطمينات للإخوان بأن ولاءه لهم لم يتغير، لكن هذه اللعبة قد لا تطول. الضغوط الأمريكية ستتصاعد، والإخوان سيصبحون أقل صبرًا، والحرب لن تسمح بالمماطلة. السودان ينتظر الإجابة: هل سينجح الجيش في تجاوز الأزمة دون دفع ثمن الانقسام الداخلي؟ أم أن ولاءات البرهان المتضاربة ستقود إلى انفجار داخل المؤسسة العسكرية، مضيفًا طبقة جديدة من التعقيد إلى حرب السودان المستعرة؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة