إذا نظرنا إلى جذور الصراعات التي مزقت السودان، نجد أن غياب التكافؤ في بناء المؤسسات، والإصلاح المنشود لمنظومة الدولة التي تعبر عن إدارة الشعوب، كانا من أعمق الأسباب التي قادت إلى الحروب والدمار. إننا نتطلع، بعد الحرب، إلى سودان تُبنى فيه جميع المؤسسات على هدي التساوي، وفقاً لكثافة السكان في كل إقليم، بدءاً من إصلاحات جذرية على مستوى الأجهزة الأمنية ـ الجيش والأمن والشرطة ـ والمؤسسات الحكومية.
فغياب التكافؤ وغياب الإصلاح المؤسسي أدى إلى خلل في التخطيط الاستراتيجي، وأفضى إلى الظلم الاجتماعي، الذي تولدت عنه النزاعات، ثم الحروب التي تهدد السلم الاجتماعي. وما لم نبني عقداً تأسيسياً اجتماعياً يزيل الغبن التاريخي، ويجعل المؤسسات مرآة للجميع دون سيطرة فئة معينة عليها، فسنظل أسرى لدورة مفرغة من الصراع.
والأغرب أن أقلاماً كثيرة ظلت تطبل لهذه الحالة التي هي ذاتها سبب الأزمات، مفضلة الحفاظ على جوهر السلطة على حساب دولة المواطنة المتساوية، ومبدأ تداول السلطة، سعياً لإزالة الاختلال في ميزان السلطة والثروة في السودان.
سؤال المؤسسات
بعيداً عن الكفاءة أو المواقف الوطنية النبيلة التي يقوم بها البعض، يبقى الأهم هو بناء مؤسسات الدولة على أساس تكافؤ الفرص، لمنع لعب الدور العائلي ـ فلسنا في "دولة الملل" ـ أو تحكم العصبيات العشائرية. فلتكن هناك تداولية في المواقع على قمة التخطيط الاستراتيجي والسياسي لقرار الدولة.
نموذج للخلل
على مستوى رئاسة الوزراء، هناك خال الرئيس "الحفيان" ـ مستشار دولة رئيس الوزراء ـ الذي يُعتبر بمثابة المطبخ السياسي والعقل المدبر لمعظم اختيارات الدكتور كامل إدريس. رغم عدم صدور قرار رسمي بتعيينه، فقد ظل يرافق رئيس الوزراء في معظم الأسفار، وكان له القَدحُ المُعَلَّى في إجراء مقابلات تعيينات الوزراء قبل تعيينهم في فندق "غراند هوتيل" ببورتسودان، فقط لأنه خالٌ رئاسي.
مفارقة
في الوقت الذي قدّم فيه أبناء وبنات السودان الغالي والنفيس في سبيل تحرير الوطن من دنس الأوباش، وقدّموا أرتالاً من الشهداء والجرحى، يأتي من هناك متفرجاً ليجلس في مقعد الحكومة فقط لعلاقة القربى، وأجل أن تتسهل أمور رئيس الوزراء بوجود خالٍ رئاسي.
الدولة ينبغي أن تكون مرآةً لكل أهل السودان، بمختلف مكوناتهم الاجتماعية والسياسية، لتعبر عن ذاتهم، وتكون العطاء والجهد عنواناً للترقي، لا لنيل صك السلطة.
استثناء أم قاعدة؟
نعم، المستشار أمجد فريد له مواقف وطنية خالصة، وقدّم أجل الوطن ما يكفي لأن ينال أعلى المراتب، لكنه في ظل وجود خاله في منصب رئيس الوزراء، وتعيينه مستشاراً للرئيس السياسي للمجلس السيادي والعلاقات الخارجية، يدخل ضمن منظومة الفساد السياسي وبناء المؤسسات على علاقات القربى وتبادل الأدوار. وهذا غير مطلوب في ظل الأوضاع الراهنة، والأرواح التي قُدّمت فداءً لتحرير الوطن.
صمت منسوب
بالتأكيد، الكثير صمتوا، لكن لو كان هذا التعيين يخص مجتمعات أخرى، لَكُتِبَ بحبر جافٍ كبيرٍ حال الأمر، رغم الدماء التي قُدّمت مهراً للتحرير. فهل يكون غدُ السودان مختلفاً، أم أننا سنظل أسرى لنافذة ضيقة تعكس صورة واحدة لا ترى كل الوجوه؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة