عقد الـ12 مليون دولار في مشروع الجزيرة من المستفيد وهل اتُّبعت الإجراءات السليمة تحقيق استقصائي متابع لمقال: “عقد الـ12 مليون دولار في مشروع الجزيرة” 2026 مارس ** [email protected]عمر سيد احمد.
أولاً: الخيط الذي يقود إلى مجموعة قابضة مجهولة الملاك حين أعلنت إدارة مشروع الجزيرة في مارس 2026 عن توقيع عقد بـ12 مليون دولار مع شركة القمة للتنمية الزراعية لزراعة القطن على 20 ألف فدان، انصبّ الاهتمام على اسم الشركة. لكن البحث في هوية هذه الشركة يقود إلى ما هو أوسع وأكثر إثارةً للتساؤل. شركة القمة للتنمية الزراعية ليست كياناً مستقلاً. هي وحدة أعمال ضمن منظومة أكبر تحمل اسم "مجموعة تنمية الصادرات القابضة" (Export Development Group Holding)، ومقرها الخرطوم. والمجموعة — وفق ملفها التعريفي الصادر عام 2025 — إمبراطورية زراعية وغذائية وتجارية متكاملة تمتد عبر ثلاثة قطاعات رئيسية، وتضم تحتها عدداً من الشركات، وتصدّر منتجاتها إلى 16 دولة من الصين إلى فرنسا. لكن هذا الملف التعريفي الضخم يحجب حقيقة بالغة الأهمية: لا يرد فيه اسم مالك واحد، ولا مساهم واحد، ولا هيكل ملكية من أي نوع، ولا انتماء مؤسسي من أي نوع. المجموعة تُقدّم نفسها ببساطة بوصفها "مجموعة وطنية رائدة" — وتقف عند هذا الحد. ثانياً: التناقض الكاشف — ما يُخفيه الملف التعريفي لكن ما يُخفيه الملف التعريفي تكشفه الإعلانات الرسمية للشركات الأخرى في المجموعة ذاتها. حين أعادت شركة الكدرو للتصنيع الغذائي — إحدى وحدات المجموعة — تدشين مسلخها في خضم الحرب، جاء الإعلان الرسمي صريحاً لا لبس فيه: "شركة الكدرو للتصنيع الغذائي التابعة لمجموعة تنمية الصادرات بمنظومة الصناعات الدفاعية". وأفاد البيان ذاته بأن مسلخ الكدرو أُسِّس أصلاً عبر "شراكة بين القطاع العام ومنظومة الصناعات الدفاعية (مجموعة جياد)". وقد تشرّف افتتاحه عضو مجلس السيادة الفريق مهندس إبراهيم جابر. وتُعزز هذه الصورة معلومات إضافية تكشف أن شركة قرين زون للتجارة والاستثمار — وحدة أخرى في المجموعة — لها ارتباطات هيكلية بمنظومة التصنيع الحربي، وتُذكر كأحد أذرعها الاستثمارية في قطاع المنسوجات عبر شركة قرين تكستايل. ومجموعة تنمية الصادرات بأكملها مُدرجة صراحةً ضمن الكيانات التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية في مصادر بحثية مستقلة متعددة. هنا يظهر التناقض في كامل دلالته: المجموعة حين تُخاطب الجمهور العام في ملفها التعريفي التسويقي تُقدّم نفسها كياناً وطنياً مستقلاً بلا انتماء محدد. لكنها حين تُخاطب جمهورها الخاص وتُعلن عن إنجازاتها، تُعرّف نفسها صراحةً بانتمائها لمنظومة الصناعات الدفاعية. هذا ليس إغفالاً أو نسياناً. إنه تعتيم متعمد: وجه للعموم، ووجه آخر لمن يعرف. ثالثاً: منظومة الصناعات الدفاعية — خارج الرقابة وخارج الضريبة انتماء مجموعة تنمية الصادرات لمنظومة الصناعات الدفاعية ليس مجرد تفصيل تنظيمي. له تبعات عملية مباشرة على المال العام وعلى علاقة هذه الكيانات بوزارة المالية والدولة. منظومة الصناعات الدفاعية في السودان تعمل تاريخياً خارج المنظومة الضريبية والرقابية المعتادة. شركاتها لا تُدرج ميزانياتها ضمن الميزانية العامة للدولة، ولا تخضع لرقابة ديوان المراجعة العام بالطريقة المعتادة المطبّقة على مؤسسات القطاع العام. وهذا بالضبط ما أشار إليه العميد الدكتور محمد عمر فضل الله في شهادته لسودان بودكاست 360، حين قال إن هذه المنظومات تعمل "بعيداً عن رقابة الدولة" وتخدم مشروعاً سياسياً لا مصلحة وطنية. والسؤال الضريبي الذي يطرحه هذا الواقع مشروع وعاجل: هل تُسدّد شركات مجموعة تنمية الصادرات — بما فيها شركة القمة التي وقّعت عقد الجزيرة — ضرائب للدولة السودانية؟ وهل تخضع لرقابة وزارة المالية؟ ومن يُراجع حساباتها؟ في غياب أي إجابة رسمية على هذه الأسئلة، تبقى الفجوة الرقابية مفتوحة على مصراعيها. رابعاً: العقوبات الدولية — البُعد الذي يُغيّر طبيعة المسألة ما يُحوّل هذا التحقيق من مستوى الأسئلة المشروعة إلى مستوى الوقائع الموثقة ذات التبعات القانونية هو ما صدر بحق منظومة الصناعات الدفاعية من عقوبات دولية متعددة ومتراكمة. في يونيو 2023، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) منظومة الصناعات الدفاعية ضمن قائمة العقوبات. وفي أكتوبر 2024 فُرضت عقوبات إضافية على الفريق أول ميرغني إدريس سليمان، مدير المنظومة، لدوره الموثق في تسهيل الحصول على الأسلحة. وفي يناير 2024 شملت عقوبات الاتحاد الأوروبي ستة كيانات من بينها منظومة الصناعات الدفاعية وشركة زادنا وشركة إس إم تي، وذلك صراحةً لدورها في زعزعة استقرار السودان. كما أدرجت المملكة المتحدة المنظومة ضمن قوائم العقوبات المالية البريطانية لارتباطها بدعم العمليات العسكرية. السبب المُعلن في جميع هذه العقوبات واحد: دور المنظومة في تمويل النزاع المسلح وإطالة أمده على حساب المدنيين السودانيين. تبعات هذه العقوبات تشمل تجميد الأصول والمنع من التعامل المالي أو التجاري مع المؤسسات الدولية. وهذا يطرح سؤالاً قانونياً بالغ الخطورة لم يُطرح في أي بيان رسمي حتى الآن: إذا كانت مجموعة تنمية الصادرات — الجهة المتعاقدة مع مشروع الجزيرة — تابعة لمنظومة مُدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية والبريطانية، فهل يُعرّض هذا العقدُ مشروعَ الجزيرة وإدارته لمخاطر قانونية دولية؟ وهل أي طرف أجنبي يستورد منتجات هذا العقد أو يموّله قد يقع تحت طائلة انتهاك العقوبات؟ هذه أسئلة لا تقبل الصمت الرسمي. إدارة مشروع الجزيرة مطالبة بالإجابة عنها علناً قبل أن تُزرع بذرة واحدة بموجب هذا العقد. خامساً: ما كشفه الملف التعريفي — وما أخفاه الملف التعريفي لمجموعة تنمية الصادرات القابضة وثيقة مثيرة للاهتمام من زاويتين متعاكستين: ما تقوله وما تصمت عنه. ما تقوله: المجموعة ليست شركة صغيرة مجهولة. لها حضور ميداني موثق وبنية تحتية ضخمة حقيقية. شركة القمة للتنمية الزراعية — التي وقّعت عقد الجزيرة — لها مشاريع زراعية في ولايات كسلا والولاية الشمالية ونهر النيل وسنار، وتشمل نحو 27,500 فدان بنظام الري المحوري، فضلاً عن زراعة تعاقدية موثقة لـ10,000 فدان قطن بمشاريع شركة سنار الزراعية، و30,000 فدان قطن مع تنظيمات مجتمعية محلية. أي أن الشركة لها خبرة تشغيلية موثقة في القطن تحديداً. وشركة الحاج عبدالله للأقطان والزيوت — وحدة أخرى في المجموعة — تدير مشروعاً استراتيجياً في ولاية الجزيرة ذاتها على مساحة 2 مليون متر مربع يهدف لتغطية كامل سلسلة القيمة للقطن السوداني. هذا يعني أن المجموعة ليست قادمة إلى الجزيرة كطرف خارجي مجهول — لها حضور قائم في المنطقة وامتداد في صناعة القطن. ما تصمت عنه: في 52 شريحة تعريفية مليئة بالأرقام والصور والعلامات التجارية، لا يرد اسم مالك واحد، ولا مجلس إدارة، ولا هيكل ملكية، ولا — والأهم — أي انتماء لمنظومة الصناعات الدفاعية. المجموعة تُقدّم نفسها للعالم الخارجي بلا هوية مؤسسية محددة، بينما تُعلن هويتها الحقيقية في سياقات أخرى. وفي ضوء العقوبات الدولية المفروضة على المنظومة، يصبح هذا الإخفاء أكثر من مجرد غياب للشفافية — يصبح مؤشراً على وعي بالتبعات القانونية لهذا الانتماء. سادساً: تصحيح ضروري — الشركة ليست بلا تاريخ، لكن السؤال ليس عن الكفاءة أي تقرير أمين يستوجب التمييز بين ما هو موثق وما هو افتراض. شركة القمة للتنمية الزراعية ليست شركة ظهرت من العدم. لها مشاريع زراعية قائمة في خمس ولايات سودانية، ولها خبرة موثقة في القطن، ولها بنية تحتية من مصانع ومستودعات ووحدات إنتاج. هذا التصحيح مهم ليس للدفاع عن الشركة، بل لأن التحليل السليم يقتضيه. السؤال الحقيقي لا يكمن في الكفاءة التشغيلية — بل في مشروعية العقد إجرائياً، وفي انتماء المجموعة لكيان مُعاقَب دولياً، وفي آليات توزيع العائد على مزارعي الجزيرة. سابعاً: الأسئلة التي لا تجيب عنها أي وثيقة رسمية السؤال الأول: من يملك المجموعة حقاً؟ منظومة الصناعات الدفاعية تتبع هيكلياً للمؤسسة العسكرية، لكن شهادة العميد فضل الله تُشير إلى أن التنظيم الإسلامي يُهيمن على هذه المنظومات فعلياً ويُسيّرها لخدمة مشروعه السياسي. إن صح هذا، فإن السؤال عن الملكية الحقيقية يتجاوز الهيكل الرسمي إلى شبكة مصالح سياسية لا تزال تعمل وسط الحرب. السؤال الثاني: هل تدفع هذه الشركات ضرائب للدولة وتخضع لرقابة وزارة المالية؟ إذا كانت المجموعة تابعة لمنظومة تعمل خارج المنظومة الرقابية المعتادة، فإن عقداً حكومياً بـ12 مليون دولار مع مشروع الجزيرة يعني أن أموالاً عامة تتدفق إلى كيان لا تستردّ الدولة منه ضرائب، ولا تُراجع حساباته. هذا ليس مجرد إشكالية شفافية — هو استنزاف ممنهج للمال العام. السؤال الثالث: هل أجرت إدارة مشروع الجزيرة تدقيقاً في وضع الشركة المتعاقدة إزاء قوائم العقوبات الدولية؟ هذا ليس سؤالاً نظرياً. التعامل مع كيان تابع لمنظومة مُدرجة على قوائم عقوبات OFAC الأمريكية قد يُعرّض المشروع وإدارته والأطراف الممولة لتبعات قانونية دولية بالغة الخطورة. وغياب أي إشارة لهذا التدقيق في البيانات الرسمية يُثير قلقاً جدياً. السؤال الرابع: أين المزارع السوداني في هذه المعادلة؟ مشروع الجزيرة بُني على نموذج المزارع الصغير لا نموذج الشركات الكبرى. المزارع النازح الذي يحلم بالعودة إلى أرضه لا يعلم أن عقداً يخص أرضه وُقِّع باسمه ودون استشارته، مع كيان ترفض مجموعته الأم الإفصاح عن ملاكها الحقيقيين للرأي العام. الشروط التفصيلية للعقد لم تُنشر. نسب توزيع العائد على المزارعين لم تُكشف. آليات الرقابة على التنفيذ لم تُذكر. ثامناً: الحرب بوصفها فرصة — نمط متكرر مشروع الجزيرة يعيش أضعف لحظاته منذ تأسيسه عام 1925. بنيته التحتية متضررة، مزارعوه نازحون، وإدارته بحاجة ماسة إلى تمويل. هذا الضعف البنيوي يجعل أي جهة تأتي بالمال في موضع تفاوضي استثنائي القوة. ومجموعة تنمية الصادرات — بانتمائها الموثق لمنظومة الصناعات الدفاعية المُعاقَبة دولياً — تأتي في اللحظة التي يحتاج فيها المشروع لمن يموّله. وحين تكون الجهة الممولة خارج الرقابة الضريبية وخارج مراجعة ديوان المراجعة وخارج الإفصاح العام ومُدرجة على قوائم العقوبات الدولية، فإن ما لا يُقال في البيانات الرسمية يصبح أخطر بكثير مما يُقال. هذا ليس استثناءً طارئاً فرضته الحرب. هو نمط متكرر: في كل مرحلة تضعف فيها الدولة، تتمدد هذه المنظومات لتملأ الفراغ — لا لتخدم المصلحة الوطنية، بل لتُرسّخ امتيازاتها على حساب المال العام والمواطن السوداني. والحرب ليست عائقاً أمام هذا النوع من الصفقات — هي غطاؤها. خلاصة: ما نعرفه وما لا نزال نجهله نعرف أن شركة القمة وحدة أعمال في مجموعة تنمية الصادرات القابضة، وأن لها سجلاً تشغيلياً موثقاً في زراعة القطن. نعرف أن المجموعة تابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية — بشهادة إعلاناتها الرسمية ومصادر بحثية مستقلة — لكنها تُخفي هذا الانتماء عن ملفها التعريفي العام. نعرف أن منظومة الصناعات الدفاعية مُدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية منذ يونيو 2023، والأوروبية منذ يناير 2024، والبريطانية — لدورها الموثق في تمويل النزاع. نعرف أن منظومة الصناعات الدفاعية تعمل تاريخياً خارج المنظومة الرقابية والضريبية للدولة. نعرف أن لا مناقصة أُعلنت، ولا مزارع أُستشير قبل التوقيع. لا نعرف من يملك المجموعة فعلياً، ولا إن كانت تُسدّد ضرائب للدولة، ولا إن أجرت إدارة مشروع الجزيرة تدقيقاً في وضع الشركة إزاء قوائم العقوبات الدولية، ولا الشروط التفصيلية للعقد، ولا آليات وصول العائد إلى مزارعي الجزيرة. الفجوة بين ما نعرفه وما لا نعرفه ليست فجوة معلوماتية عارضة. إنها الفجوة الحقيقية التي يجب أن يسدّها مَن أبرم هذا العقد أمام الرأي العام السوداني — قبل أن تُزرع أي بذرة وتُحصد أي عائدات. وفي ضوء العقوبات الدولية المفروضة، فإن الصمت الرسمي لم يعد مجرد إخفاق في الشفافية — بل مخاطرة موثقة بمصالح السودان الاقتصادية والقانونية على الصعيد الدولي.
المصادر: الملف التعريفي لمجموعة تنمية الصادرات القابضة (2025) إعلان إعادة تدشين مسلخ الكدرو (2025-2026) تصريحات رسمية لإدارة مشروع الجزيرة — مارس 2026 شهادة العميد د. محمد عمر فضل الله — سودان بودكاست 360 قوائم عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية OFAC — يونيو 2023 وأكتوبر 2024 عقوبات الاتحاد الأوروبي على منظومة الصناعات الدفاعية — يناير 2024 قوائم العقوبات المالية البريطانية — منظومة الصناعات الدفاعية مصادر بحثية مستقلة حول هيكل مجموعة تنمية الصادرات وتبعيتها
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة