من كتابي "من الثورة إلى الحرب". القاهرة: دار الموسوعة الصغيرة، 2025)
رتبت قوى الحرية والتغيير (المركزي) للتوقيع على الوثيقة الخاتمة للاتفاق الإطاري الذي جرى توقيعه في 5 ديسمبر 2022 مع العسكريين، ليكون التوقيع على الوثيقة في 6 أبريل 2023، ثم يجري إعلان الوزارة الجديدة في الحادي عشر منه. واليومان، 6 أبريل و11 منه أيقونتان في التقويم السياسي، بل الروحي، السوداني، فهما يوما نجاح الثورة المدنية بكلفة فادحة في إسقاط نظامين ديكتاتوريين حكما نحو نصف قرن بيد من حديد. ففي 6 أبريل سقط نظام المشير أول جعفر نميري (1969-1985) بثورة سلمية حركت القيادة العامة للقوات المسلحة للاستجابة لها، فنزعت الحكم من متوليه بانقلاب عسكري. أما 11 أبريل فهو يوم سقوط نظام الفريق الركن حسن أحمد البشير بثورة 18 ديسمبر 2018. وكان الثوار قد استلهموا نجدة القوات المسلحة لثورة 1985، فاقتحموا القيادة العامة في 6 أبريل 2019 واعتصموا بها حتى يرحل النظام. وتحركت القوات المسلحة في 11 أبريل بانقلاب كتب السطر الأخير في نظام ران على السودان لثلاثة عقود بالتمام والكمال. لا شك أن هذه الأيام، 6 أبريل و11 أبريل، مما يسر خاطر الأمة التي طلبت الحرية غلاباً. ولكنهما مع ذلك مما يعرف بـ"أسطورة المنشأ". وهي التي تؤسس بها جماعة لوجودها، أو إشراق حادثة فيها، بمأثرة قد لا تكون وقعت كما تصوروها، أو اقتدوا بها. لا غرو أن انقلاب الجيش على نميري في 6 أبريل 1985 هو الذي ألهم ثوار ديسمبر 2018 لاقتحام قيادة القوات المسلحة في 6 أبريل 2019 يسألونها الانحياز لصفها وخلع النظام. فقد ظلوا في الشارع لنحو أربعة أشهر يلقون من النظام الأمرّين. وأرادوا باعتصامهم عالي الكلفة في القيادة أن يحملوا الجيش على استعادة سيناريو 1985 وينحاز لثورتهم بانقلاب مثل ما وقع في أبريل 1985. سيدور فحص أسطورة منشأ 6 أبريل على مدار السؤال إن كان انقلاب الجيش في 1985، الذي استلهمه الثوار في 2019، انحيازاً للثورة أم أنه ضيقٌ بها وإعمالٌ للفرامل حتى لا تخرج عن اليد مرة واحدة. والانقلاب من هذه الشاكلة معروف بانقلاب "الفيتو"، أي أن الغرض منه هو تجميد الثورة عند نقطة ما مع تبييت النية للقعود لها كل مقعد لزعزعتها حتى تلفظ أنفاسها غير مأسوف عليها. فهذا التذرع بالانحياز لها في أحسن أحواله "سر الليل" الذي تتدارك به قيادة الجيش انقلابياً ثورة لو خرجت من يدهم بالكلية لحدث ما لا يحمد عقباه.
وخلافاً للقول، إن انقلاب 1985 كان انحيازاً للشعب، صح القول إنه لم يكن سوى مغادرة الجيش لسفينة نظام يغرق بعد استنفاد عمره الافتراضي. ولا أعرف وصفاً لانحياز المضطر ذلك كوصف فوزي بشرى، الإعلامي بقناة "الجزيرة"، الذي قال إن ثورة الشعب لم تترك للعسكريين خياراً غير الانحياز لها بانقلاب "وضع القدم" في الباب. كان زعم انقلاب 1985 أنه انحياز للشعب شيئاً وواقعه شيئاً آخر. فلم ينجح ذلك الانقلاب في لجم الثورة دون غايتها في حكم مدني ديمقراطي بإرادتها فحسب، بل قضى عليها قضاءً مبرماً في بحر السنة التي قررها مدة للفترة الانتقالية العاقبة. فكأن أول ما شرع فيه هو إزاحة الشعب الذي انحاز له من مسرح السياسة بالكلية مما وثقت له الأكاديمية البريطانية ويلو بيردج في كتابها عن ثورتي 1964 و1985 (2015). فلم يقبل الشعب الذي قام بالثورة في أبريل 1985، ممثلاً في التجمع النقابي، الذي بمثابة قوى الحرية والتغيير في ثورة 2018، بانقلاب الجيش الذي كون المجلس العسكري الانتقالي من طرف واحد. وأعلن التجمع مواصلة الإضراب العام، الذي كان أشهره بوجه نظام نميري، حتى يُسلِّم العسكريون الحكم للمدنيين عن يد وهم صاغرون. ولكن القيادة العسكرية للانقلاب طلبت بفض الإضراب ملوحة بما سيتكبده الاقتصاد من جرائه، وأرسلت قوة عسكرية لإدارة الكهرباء لفك إضراب مستخدميها. وكرد فعل رتب التجمع النقابي تظاهرة بمذكرة للقيادة العسكرية لتسلّم مقاليد الحكم للمدنيين تهتف "لا بديل لحكم الشعب". ونقل عن اللواء عبد الرحمن سوار الذهب، القائد العام وقائد الانقلاب، أنه قال إن النقابات ناصبتنا العداء وطالبونا بالعودة للثكنات، ولكننا أخفناهم في اجتماع لنا بهم ففضوا الإضراب. لم يكفِ التجمع النقابي مع ذلك من الاحتجاج على الانقلاب العسكري. فتقدمت نقابة الأطباء، رأس الرمح في الثورة واستحق نقيبها الجزولي دفع الله رئاسة الوزراء بهذه الصفة، بمذكرة للمجلس العسكري طالبت فيها بإلغاء حالة الطوارئ، وتكوين برلمان للثورة من النقابات، واستبدال الحكام العسكريين في المديريات بمدنيين، وإلغاء قوانين سبتمبر 1983 الإسلامية، ولم يسمعوا من المجلس. من الجهة الأخرى سيرت نقابة البنوك تظاهرة تطالب بفصل مديري البنوك لدورهم في تخريب الاقتصاد والفساد، ففرَّقتها الشرطة. ولم تمر ثلاثة أيام على ذلك حتى أعلن العسكريون حظر التظاهر، ورفض المجلس، الذي لم يجرؤ على فصل أي مصرفي فاسد، مطلب إعادة من فصلهم نظام نميري للعمل. تدخل المجلس العسكري لانقلاب 6 أبريل 1985 بلا اختصاص حتى في صورة ما ستكون عليه الفترة الانتقالية وصورة الديمقراطية للبرلمان القادم. فكان التجمع تنازل عن رأيه أن تكون الفترة الانتقالية خمس سنوات ليتفق مع الأحزاب على قصرها على ثلاث. ولم يقبل المجلس العسكري بذلك وقرر من طرف واحد أن تكون الانتقالية لمدة سنة واحدة. من الجهة الأخرى رفض المجلس العسكري تصوراً للتجمع والأحزاب لديمقراطية توافقية تسمح للقطاعات الحديثة في المدن بتمثيل يوازن غلبة الريف الذي يعيد إنتاج برلمانات تهيمن عليها الأحزاب التقليدية. وهذا التصور لديمقراطية توافقية مستدامة قديم، كانت البذرة الأولى فيه بعد ثورة أكتوبر 1964، ولم يتحقق منه شيء. وتواضعت الأحزاب والتجمع في 1985 على تصور توافقي، إلا أن المجلس العسكري الانتقالي رفضه، ولم يبقَ من التوافقية تلك فيه سوى دوائر مخصصة لخريجي الجامعات. وهي دوائر عرفت بـ"دوائر الخريجين" جرى اقتطاعها لخريجي المدارس العليا منذ أول انتخابات برلمانية تحت الاستعمار الإنجليزي في 1954 تمهيداً للحكم الذاتي، فالاستقلال.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة