تكشف حرب الخرطوم التي اندلعت في رمضان 2023 عن سقوط أقنعة كثيرة ظلت لعقود تشكل الغطاء الرمادي للشخصية السودانية وللمؤسسات التي أنتجتها التجربة الوطنية. فما الذي انكشف؟
القناع الأول: شخصية "الزول" المتدين
لطالما تغنينا بالشخصية السودانية "على القدم المحمدي"، بما تمتلكه من سمات متوارثة عن الأجداد عبر مدرسة التصوف والإسلام الشعبي. لكن السؤال الموجع: كيف لشعب عُرف بالتدين أن يتحارب في العشر الأواخر من رمضان؟
هنا يسقط قناعٌ خطير: لم يستطع التعليم الحديث ولا الإعلام أن يحافظا على النموذج الأصلي للشخصية السودانية، أو أن يوضحا ويحفزا عليها. تُركت الشخصية السودانية عرضة لصراع النظريات الوافدة، مما سبب اهتزاز صورتها الذهنية وفضحها في كارثة حرب الخرطوم . والأخطر أن الإسلام التقليدي نفسه كانت له واجهات سياسية شكلت خطراً على تجربة الإسلام السياسي، فتمت محاربته أو التصمت على دعمه كنموذج يُحتذى .
القناع الثاني: الميثولوجيا والتجربة الأكاديمية
نستمع لكلامات رجال التصوف ونعتبرها "كلام دراويش"، ولا نعر الميثولوجيا السودانية اهتماماً في التجربة الأكاديمية. من نبوءات الشيخ فرح: "الخرطوم تصل سوبا وتفرتق طوبة طوبة"، ومن أقواله: "لن تنضج التجربة السياسية في السودان... وعندما تسيطر هذه الطغمة على الحكم لن تستطيع أن تزيحكم قوة خارجية أو داخلية مالم ينقسموا على أنفسهم" .
هذه الميثولوجيا لا تستند إلى منطق علمي، لكن "اللامنطق" هو ذاته ما يحدث في حرب الخرطوم. وإذا كان السودان بلداً لا يعترف بالمنطق، فإن قناعاً آخر يسقط عن عدم اهتمامنا بتجربة الميثولوجيا التي لها منطقها المختلف، لكنه يناسب ما وصلت إليه الحرب .
الخلاصة
سقطت التجربة الأكاديمية والإعلامية في دعم الشخصية السودانية التي كانت يمكن أن تكون آخر نموذج يُحتذى به في العالم. وحين ينهار التعليم، وتُهمَل الميثولوجيا، وتُترَك الشخصية الوطنية لصراع النظريات الوافدة، تصبح الحرب مجرد انعكاس لفراغ طويل امتد لعقود.
فهل بعد كل هذا السقوط سنلتفت لتكوين نموذج سوداني أصيل؟ أم نظل نرقص على أنقاض ما تبقى من أقنعة؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة