في أوقات الأزمات والمنعطفات الحساسة، يتوقع من السياسيين أن يتحلوا بقدر عال من الحكمة وضبط النفس، وأن يمتلكوا القدرة على وزن الأمور بميزان دقيق، واختيار الكلمات التي تعبر عن مواقفهم ورؤاهم تجاه الأزمة دون أن تزيدها اشتعالا أو تعقيدا. فالسياسي، بحكم موقعه كشخصية عامة، لا يتحدث بصفته الفردية فحسب، بل يتحدث من موقع تمثيلي، وكأن كلماته تصدر باسم الدولة أو تعكس مزاجها العام، ولهذا فإن أثرها غالبا ما يتجاوز حدود اللحظة والحدث.
إن الكلمة في السياسة ليست مجرد تعبير عابر، بل هي فعل له ما بعده، وقد تكون أحيانا أخطر من القرار ذاته. فكلمة غير محسوبة قد تثير الذعر في الشارع، أو توتر العلاقات بين المؤسسات، أو تفتح أبواب التأويل أمام الخصوم والحلفاء على حد سواء. ولهذا ظل فن الخطاب السياسي في جوهره قائما على الحذر والاتزان، وعلى إدراك أن اللفظ حين يغادر الفم لا يعود، وأن أثره قد يمتد ليصيب مساحات أوسع مما يتوقع صاحبه.
في المقابل، فإن التسرع والانفعال الزائد والتصرفات الهوجاء عندما تصدر من السياسيين لا تبقى في حدود رد فعل شخصي، بل تتحول سريعا إلى أزمة سياسية قائمة بذاتها. فالسياسي الذي يسمح لانفعاله بأن يقود خطابه إنما يفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات التي قد يصعب احتواؤها لاحقا. ذلك أن الخطاب المتشنج يخلق بيئة من الاستقطاب والتوتر، ويضعف الثقة في قدرة القيادة على إدارة الأزمة بعقل بارد ورؤية متزنة.
ولعل أخطر ما في الأمر أن شظايا هذه الأخطاء لا تصيب صاحبها وحده، بل تمتد آثارها إلى الدولة ومؤسساتها. فعندما يبدو السياسي متسرعا أو منفلت الخطاب، فإن صورة الدولة ذاتها قد تتعرض للاهتزاز، لأن الرأي العام – داخليا وخارجيا – يميل إلى قراءة تصريحات السياسيين بوصفها مؤشرا على مستوى النضج المؤسسي ودرجة الانضباط داخل منظومة الحكم.
ومع ذلك، فإن الدعوة إلى التحلي بالحذر في الخطاب السياسي ووضع محاذير والتزامات تضبط حديث السياسيين، لا تعني بأي حال التعدي على حرية التعبير أو مصادرتها. فحرية التعبير تظل من الركائز الأساسية للحياة السياسية السليمة، غير أن المسؤولية التي تلازم الموقع العام تفرض على السياسي قدرا أكبر من الانضباط في القول والفعل. فالمسألة هنا لا تتعلق بتقييد الحرية بقدر ما ترتبط ارتباطا وثيقا بالمصلحة العليا للدولة والمجتمع، وبضرورة حماية الاستقرار العام من آثار التصريحات المتعجلة أو غير المدروسة.
إن إدارة الأزمات لا تقوم على القرارات وحدها، بل على اللغة التي تصاحبها أيضا. فالكلمة الهادئة قد تهدئ عاصفة، والعبارة المتزنة قد تفتح بابا للحوار، بينما قد تؤدي جملة متعجلة إلى تعقيد أزمة كان يمكن احتواؤها. ومن هنا يصبح ضبط الخطاب السياسي جزءا أصيلا من إدارة الدولة، لا مجرد مهارة بلاغية أو ترف لغوي. ففي اللحظات العصيبة يظهر الفارق بين من يقود الأزمة بعقل راجح، ومن تجره الانفعالات إلى مواقف متعجلة، لأن كلمة واحدة قد تبني جسرا، وقد تشعل حريقا.
همسة: أنت غلطان يا الناجي، ومع ذلك كان رد الفعل الرسمي مبالغا فيه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة