دكتور عبد الله الطيب وسؤال الوطن: حدود المخيال السياسي في لحظة التأسيس- ١-٢ كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 03-04-2026, 04:57 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
02-27-2026, 10:13 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 12-31-2021
مجموع المشاركات: 231

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
دكتور عبد الله الطيب وسؤال الوطن: حدود المخيال السياسي في لحظة التأسيس- ١-٢ كتبه خالد كودي

    10:13 AM February, 27 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    دكتور عبد الله الطيب وسؤال الوطن: حدود المخيال السياسي في لحظة التأسيس- ١-٢
    الجزء الأول:
    27/2/2026 خالد كودي، بوسطن

    أولًا: السياق التاريخي لخطاب 1958
    اعاد ناشطون وباحثون في الآونة الأخيرة تداول المقال الذي كتبه د. الدكتور عبد الله الطيب في 16 مارس 1958 بعنوان "ماذا في الجنوب؟" والمنشور في صحيفة الرأي العام. جاء هذا النص في ظرف سياسي بالغ التعقيد: عامان فقط بعد الاستقلال (1956)، وفي خضم جدل محتدم حول الفدرالية، وتصاعد التوترات بين الشمال والجنوب، وتبلور مؤشرات مبكرة للحرب الأهلية الأولى. كانت الدولة السودانية آنذاك في طور التشكل، ولم يكن عقدها الاجتماعي قد استقر بعد، ما جعل النقاشات حول الهوية، وتوزيع السلطة، والعلاقة بين المركز والأطراف، مسائل تأسيسية لا خلافات عابرة.
    في تلك المرحلة، كان د. عبد الله الطيب أحد أبرز أعلام الثقافة العربية في السودان: عالم لغة مرموق، وأديبًا ذا حضور عربي واسع، وأستاذًا جامعيا أسهم في تكوين أجيال من الدارسين. وقد ظل يُقدَّم، حتى بعد رحيله، بوصفه من أعمدة النهضة الثقافية السودانية. غير أن مقاله السياسي حول الجنوب يفتح مجالًا لتحليل التوتر بين إنجازه العلمي في حقل اللغة والأدب، وبين تصوره للدولة والمواطنة في سياق ما بعد الاستعمار؛ وهو تصور يعكس، إلى حد بعيد، أفق شريحة واسعة من النخبة المتعلمة في شمال وادي النيل آنذاك، ممن حازوا قدرًا رفيعًا من التكوين الأكاديمي، لكنهم ظلوا أسرى تصورات مركزية عن الهوية الوطنية ووحدة الدولة.
    إن تناول هذا النص لا يستهدف مكانة صاحبه العلمية، ولا ينال من إسهاماته المعرفية، بل يقرأ منطقه السياسي بوصفه تعبيرًا عن خطاب نخبة مركزية تشكّل في سياق الانتقال من الاستعمار إلى الدولة الوطنية. وسيتضح أن تعثر السودان في بناء دولة تعددية جامعة لا يمكن فصله عن الإرث الفكري والسياسي لتلك المرحلة، حيث طغت تصورات التفوق الثقافي والديني، وغابت مقاربات أعمق لمسائل التعدد، والاعتراف المتبادل، وحقوق المواطنة المتساوية. فالتفوق في مجالات معرفية متخصصة، مهما بلغ مداه، لا يغني عن الحاجة إلى رؤية سياسية أخلاقية تتأسس على فهم تطور الشعوب وحقوقها في المشاركة العادلة في تعريف الدولة ومستقبلها.
    ثانيًا: منطق الخطاب: "اندماج صحيح أو انفصال كامل"
    يتأسس خطاب د. عبد الله الطيب في مقاله على ثلاث فرضيات محورية:
    ١/ رفض الفدرالية بوصفها عبئًا اقتصاديًا على الشمال واستنزافًا لموارده!
    ٢/ تصوير الجنوبيين ككتلة سياسية ضاغطة قد تلجأ إلى التحالف مع قوى خارجية إذا لم تُستجب مطالبها.
    ٣/ حصر الحل في خيارين ثنائيين لا ثالث لهما: اندماج كامل في إطار الدولة كما يتصورها المركز، أو انفصال تام.
    على المستوى الظاهري، قد يبدو الطرح عقلانيًا للبعض، يستدعي لغة "الحزم" و"وضوح الرؤية" و"مواجهة الحقائق". غير أن بنيته المفاهيمية تكشف عن تصور هرمي للانتماء الوطني، حيث تُفهم الدولة باعتبارها إطارًا ذا هوية أصلية سابقة على التعاقد، ويُطلب من الطرف الآخر أن يندمج فيها اندماجًا "صحيحًا" — أي أن يعيد تشكيل ذاته السياسية والثقافية بما يتوافق مع نموذج المركز.
    اللافت أن هذا التصور للاندماج يسير في اتجاه واحد: لم يطرح الخطاب احتمال أن ينخرط الشمال النيلي العربي المسلم في عملية تبادل ثقافي متكافئ، أو أن يعيد هو ذاته تعريف هويته الوطنية في ضوء ثقافات الجنوب ولغاته وتقاليده. الاندماج المقترح ليس اندماجًا متبادلاً، بل استيعابٌ أحادي. ومن ثمّ، فإن الدولة هنا لا تُبنى بوصفها عقدًا بين مكونات متساوية تعيد تعريف ذاتها المشتركة، بل كفضاء يُشترط فيه الامتثال لهوية مهيمنة تُقدَّم باعتبارها المعيار الطبيعي للوطن.

    ثالثًا: مقاربة ما بعد الاستعمار ومفهوم "الاستعمار الداخلي"
    يحذّر فرانز فانون في معذبو الأرض من أن النخبة الوطنية قد ترث جهاز الدولة الاستعماري دون أن تغيّر منطقه العميق، فتستبدل السيادة الأجنبية بسيادة محلية، مع الإبقاء على البنية الهرمية ذاتها. هذا التحذير يفتح الباب لمفهوم أكثر تحديدًا في تحليل الحالة السودانية، هو مفهوم الاستعمار الداخلي.
    الاستعمار الداخلي لا يعني وجود قوة أجنبية، بل استمرار علاقة مركز–هامش داخل الدولة الوطنية نفسها، حيث يحتكر المركز تعريف الهوية والموارد والشرعية، بينما تُدار الأطراف بوصفها مجالًا للتنمية أو الضبط أو الاحتواء، لا بوصفها شريكًا متكافئًا في تأسيس العقد الوطني.
    في هذا الإطار، يمكن قراءة خطاب د. عبد الله الطيب حول الجنوب بوصفه تعبيرًا عن وعي نخبوي تشكّل داخل مركز الدولة ما بعد الاستعمار. فالاستعمار البريطاني أسس دولة مركزية في الخرطوم، وفصل الجنوب إداريًا وثقافيًا ضمن سياسات تحكمية. بعد الاستقلال، لم يُطرح سؤال تفكيك هذه البنية وإعادة تأسيس الدولة على قاعدة تعاقدية جديدة تعترف بالتعدد، بل جرت دعاوي استيعاب الجنوب في إطار قومي محدد سلفًا، تُعرَّف فيه الوطنية وفق تصور ثقافي مهيمن.
    هنا يتجلى منطق الاستعمار الداخلي بوضوح:
    ١/ الفدرالية تُفهم كعبء على المركز، لا كآلية لإعادة توزيع السلطة.
    ٢/ الجنوب يُقدَّم كطرف مطالب بالمساندة أو مهدد بالتحالف الخارجي، لا كشريك مؤسس للدولة.
    ٣/ خيار "الاندماج الصحيح" يُصاغ بوصفه شرطًا لنيل نصيب عادل من الدولة، ما يعني أن الاعتراف مشروط بالتطابق.
    الأهم أن الاندماج المقترح يسير في اتجاه واحد: لم يُطرح احتمال أن يعيد المركز تعريف ذاته في ضوء ثقافات الجنوب، أو أن تُعاد صياغة الهوية الوطنية عبر تبادل متكافئ. الاندماج هنا ليس عملية تفاوض متبادل، بل استيعاب أحادي داخل نموذج جاهز.
    تتلاقى هذه القراءة مع تحليل فريدريك بارث الذي بيّن أن الهويات تُدار عبر حدود سياسية واجتماعية تُنتجها السلطة. كما تنسجم مع رؤية أشيل مبيمبي حول استمرار أنماط السيطرة داخل الدولة ما بعد الاستعمار، حيث يُعاد إنتاج المركز بوصفه معيارًا للشرعية.
    في مقابل هذا المنطق، تبرز أطروحات سودانية مثل رؤية استاذنا د. أحمد الطيب زين العابدين حول "السودانوية"، التي تقترح تجاوز الثنائية الإقصائية (اندماج/انفصال) نحو تصور تعاقدي يعترف بالتعدد بوصفه شرطًا تأسيسيًا للدولة السودانية. فالوطن، في هذا المنظور، ليس هوية مكتملة يُطلب من الآخرين الالتحاق بها، بل مشروعًا مفتوحًا يعاد تشكيله عبر الاعتراف المتبادل.
    بهذا المعنى، تكمن الإشكالية في خطاب د. عبد الله الطيب لا في حدته السياسية، بل في أفقه المفاهيمي: إذ يعكس تصورًا للدولة يُبقي على منطق المركز المهيمن، ويحوّل التعدد إلى مسألة ولاء أو انفصال. وهو ما يضعه — موضوعيًا — ضمن البنية الأوسع للاستعمار الداخلي الذي وسم تجربة الدولة السودانية منذ الاستقلال.

    رابعا: بندكت أندرسون، تخيّل الأمة، والإقصاء الرمزي
    يذهب بندكت أندرسون في عمله الكلاسيكي الجماعات المتخيَّلة إلى أن الأمة ليست معطى طبيعيًا أو جوهرًا ثابتًا، بل بناءً تخييليًا يتشكّل عبر اللغة، والمؤسسات، والتعليم، والسرديات المشتركة. غير أن السؤال الحاسم الذي يتجاوز أطروحة أندرسون هو: من يمتلك سلطة تخيّل الأمة؟ ومن يُقصى من عملية هذا التخيّل؟
    في خطاب د. عبد الله الطيب، تتبدى الأمة السودانية متخيَّلة في إطار محدد سلفًا:
    ١/ عربية في مرجعيتها الثقافية الأساسية،
    ٢/ مسلمة في عقيدتها
    ٣/ إفريقية بوصفها بعدًا جغرافيًا أو مكملًا رمزيًا،
    ٤/ وذات مشروع نهضوي واحد يُفترض أن يُلتف حوله الجميع
    في هذا التصور، لا يُنظر إلى الجنوب بوصفه شريكًا في صياغة الخيال الوطني، بل طرفًا يُطلب منه الالتحاق بخيال مكتمل، أو الخروج منه. فالهوية الوطنية هنا لا تُعاد صياغتها عبر التفاوض بين مكوّناتها، بل تُقدَّم كمعيار مسبق للانتماء.
    هذا هو جوهر الإقصاء الرمزي: حين يُحتكر تعريف الأمة من قِبل مركز ثقافي، ويُختزل التعدد في مسألة ولاء أو امتثال. الإقصاء الرمزي لا يمارس العنف المباشر، لكنه يؤسس له؛ لأنه يحرم فئات بعينها من الاعتراف الكامل بكونها مساهمة في تعريف الوطن ذاته.
    وقد أفضى هذا النمط من التخيّل الأحادي إلى نتائج تاريخية ملموسة. فحين تُغلق أبواب الاعتراف المتكافئ، تتخذ المقاومة أشكالًا سياسية ثم عسكرية. تصاعدت التوترات في الجنوب منذ ستينيات القرن العشرين، وتحوّلت إلى حروب أهلية طويلة، انتهت في 2011 بانفصال جنوب السودان — وهو حدث لا يمكن فصله عن تراكم عقود من الإقصاء البنيوي والرمزي معًا
    فالانفصال لم يكن لحظة فجائية، بل نتيجة مسار تاريخي فشلت فيه الدولة في إعادة تخيّل نفسها ككيان تعددي جامع. لقد تحوّل الخيال القومي الأحادي إلى بنية إقصائية، ومع استمرار الاستعمار الداخلي، أصبح الانفصال — بالنسبة لكثيرين — مخرجًا من عقد لم يُعَد التفاوض عليه يومًا على قدم المساواة.
    والمفارقة أن هذا المنهج لم يُطوَ مع الانفصال؛ إذ لا تزال قطاعات من النخب السياسية والثقافية تتبنى المنطق ذاته نحو الهامش الجديد:
    - مركز يُعرّف الهوية،
    - أطراف/هامش يُطلب منها الاندماج أو تُتهم بالتمرد،
    - وتعدد لايعترف به ويُفهم بوصفه تهديدًا لا رصيدًا
    وهكذا، فإن إشكالية تخيّل الأمة في السودان ليست قضية ماضية، بل سؤال حاضر: هل تُفهم الأمة كمشروع مفتوح يعاد تشكيله عبر الاعتراف المتبادل، أم كهوية جاهزة يُطلب من الآخرين الدخول فيها بشروط غير متكافئة؟
    إن الدرس الذي يكشفه هذا التاريخ هو أن الإقصاء الرمزي — مهما بدا لغويًا أو نظريًا — يحمل في طياته إمكان الانقسام المادي. فحين لا يُسمح للجميع بالمشاركة في تخيّل الوطن، فإن بعضهم سيختار تخيّل وطن آخر!

    خامسًا: الأنثروبولوجيا، سياسات الاعتراف، ونظرية التقاطعات — من الفدرالية إلى أفق اللامركزية
    تؤكد الأنثروبولوجيا السياسية وفلسفة الاعتراف أن الدولة الحديثة لا تُبنى عبر محو الاختلاف، بل عبر تأطيره دستوريًا وأخلاقيًا بوصفه حقيقة تأسيسية. في قراءة كليفورد غيرتز للمجتمعات كـ"شبكات معنى"، لا تكون الهوية مجرد صفة ثقافية، بل نظامًا دلاليًا يكوّن وعي الأفراد والجماعات. ومن ثمّ، فإن أي مشروع دولة يتجاهل هذه الشبكات أو يسعى إلى صهرها قسرًا، إنما يُنتج توترًا بنيويًا دائمًا. ويذهب كليفورد غيرتز وتشارلز تايلور إلى أن الاعتراف ليس مجاملة رمزية، بل شرط للكرامة السياسية؛ إذ لا تكتمل المواطنة حين تُبنى على إنكار هوية الناس أو اعتبارها مرحلة ينبغي تجاوزها.
    إضافة إلى ذلك، تفتح نظرية التقاطعات التي بلورتها كيمبرلي كرينشو أفقًا تحليليًا مهمًا: فالتمييز لا يعمل في بعدٍ واحد (إثني أو ثقافي)، بل يتقاطع مع الجغرافيا واللغة والدين والطبقة والنوع الاجتماعي. في الحالة السودانية، لم يكن "الهامش" مجرد مسألة إثنية، بل تقاطعًا بين التهميش الجغرافي، والإقصاء الثقافي، والتفاوت التنموي، واحتكار المركز لتعريف الوطنية. وعندما تُختزل هذه التعقيدات في ثنائية "اندماج أو انفصال"، فإن السياسة تُفرغ من مضمونها التفاوضي، ويُعاد إنتاج الاستعمار الداخلي بوصفه منطقًا إداريًا للدولة.
    في هذا السياق، يتبدّى خطاب د.عبد الله الطيب بوصفه محدودًا في قدرته على تخيّل وطنٍ تعددي. فالتعدد لا يُعامل كقيمة تأسيسية، بل كعائق ينبغي ضبطه. والفدرالية لا تُفهم كآلية دستورية عقلانية لإدارة التنوع وتقاسم السلطة والثروة، بل كخطوة انفصالية مؤجلة. هذا التأويل يحوّل أداة التوازن الدستوري إلى موضوع اشتباه، ويحوّل المطالبة بالعدالة إلى تهديد للوحدة.
    غير أن التحولات الراهنة في السودان تشير إلى تجاوزٍ لهذا الأفق برمته. فالهامش — الذي طُلب منه يومًا الاندماج أو المغادرة — لم يعد يكتفي بالمطالبة بالفدرالية، بل يتقدم نحو طرح أعمق للامركزية السياسية والمالية، بوصفها إعادة تأسيس للعقد الوطني لا مجرد تعديل إداري. إن الانتقال من الفدرالية الشكلية إلى اللامركزية الحقيقية يعكس وعيًا متزايدًا بأن إدارة التعدد تتطلب توزيعًا فعليًا للسلطة والموارد، لا مجرد اعتراف رمزي.
    وهكذا، فإن السؤال لم يعد: هل نقبل الفدرالية أم نرفضها؟
بل: هل نمتلك الجرأة لإعادة تعريف الدولة بوصفها فضاءً لتقاطعات متعددة، تتشارك في صياغة مستقبلها على قدم المساواة؟
فالدولة التي تعترف بتقاطعات مواطنيها تبني وحدة طوعية؛ أما الدولة التي تخشاها، فإنها تؤجل أزماتها حتى تنفجر من جديد.

    سادسا: صدى الاستعمار الأوروبي ومنطق التفوق الثقافي
    حين يُقرأ خطاب د. عبد الله الطيب في سياق أوسع لتاريخ الفكر الاستعماري، يتضح أنه — رغم صياغته الوطنية — يتقاطع بنيويًا مع بعض منطق المستعمرين الأوروبيين في إفريقيا. فثلاثة عناصر مركزية تتكرر في الخطابين:
    ١/ التأكيد على غياب "النزعة الاستعمارية" بوصفها نفيًا أخلاقيًا مسبقًا
    ٢/ تصوير العلاقة مع الطرف المهمّش باعتبارها مهمة "تمدينية" أو مشروع نهضة يقوده المركز علي غرار "عبء الرجل الأبيض" الذي ساد في القرن التاسع عشر!
    ٣/ اعتبار الإنفاق التنموي على الهامش ضربًا من "الإحسان" أو "البر"، لا حقًا متأصلًا في المواطنة المتساوية
    هذا المنطق يعكس ما سمّاه إدوارد سعيد في الاستشراق بآلية إنتاج "الآخر" عبر خطاب معرفي يمنحه صفة النقص أو التأخر، ثم يبرر التدخل أو الوصاية باسم الإصلاح. وإذا كان سعيد قد حلّل علاقة الغرب بالشرق، فإن الحالة السودانية تكشف شكلًا من الاستشراق الداخلي: حيث يتحول جزء من الوطن إلى موضوع للتقييم والتأديب والتقويم، بدل أن يكون شريكًا في تعريف المعايير ذاتها.
    الأدب والفكر الإفريقيان تناولا هذه الظاهرة بعمق بالغ. ففي رواية "أشياء تتداعى"، قدّم تشينوا أتشيبي تفكيكًا بديعًا للكيفية التي يُعاد بها توصيف المجتمعات الإفريقية كفضاءات "بحاجة إلى إصلاح"، بينما هي في حقيقتها أنساق ثقافية كاملة. كما ذهب نغوغي واثيونغو في تفكيك استعمار العقل إلى أن أخطر أشكال السيطرة ليست العسكرية، بل تلك التي تُعيد ترتيب الوعي بحيث يرى المهيمَن عليه نفسه من خلال معيار المركز.
    أما أميلكار كابرال فقد شدد على أن الاستعمار لا يقوم فقط على استغلال الأرض، بل على نزع الشرعية الثقافية عن الشعوب. وحين تتبنى النخب الوطنية المنطق ذاته — حتى دون قصد او دون وعي — فإنها تمارس ما يمكن تسميته "استمرار الاستعمار داخل الدولة الوطنية."
    خيار "إما الاندماج أو الانفصال" يعكس أيضًا منطقًا قريبًا من تصورات الاستعمار الاستيطاني في إفريقيا الجنوبية، حيث كان الحل يُختزل بين الهيمنة الكاملة أو الفصل الجغرافي، دون تصور فعلي لمواطنة متساوية. لقد بيّن مفكرون مثل ستيف بيكو أن جوهر الصراع لم يكن في الوجود المشترك ذاته، بل في بنية السلطة التي تحدد من يعرّف الوطن ومن يُطلب منه الامتثال
    في ضوء ذلك، لا تكمن الإشكالية في النوايا المعلنة، بل في البنية الرمزية التي تفترض مركزًا معرفيًا وأخلاقيًا يحتكر تعريف "التقدم" و"الوحدة" و"النهضة". وعندما تُفهم التنمية بوصفها إحسانًا من المركز، لا استحقاقًا تعاقديًا، فإن الخطاب الوطني يعيد — دون وعي — إنتاج تراتبية شبيهة بتلك التي قام عليها المشروع الاستعماري نفسه.
    وهنا يتضح أن التفوق الثقافي، حين يُغلَّف بلغة النهضة والوطنية، يظل يحمل في طياته منطق الوصاية؛ وأن غياب تصور متكافئ للمواطنة يفتح الباب أمام مقاومة لا تُقرأ بوصفها تمردًا عارضًا، بل ردًّا على بنية رمزية تستبطن عدم المساواة.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de