ٱصداء الوعي... ادم ابكر عسي يكتب ــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــ في لحظة تاريخية فاصلة من عمر السودان، وُلد تحالف الكتلة الديمقراطية عائداً إلى منصة التأسيس، حاملاً رؤية واضحة المعالم ترمي إلى بناء دولة تقوم على العدل والمساواة، وإصلاح المنظومة الوطنية إصلاحاً متكاملاً يعيد التوازن إلى الدولة في جميع مجالاتها، خدمة للشعب وتقديماً للسودان أولاً. وقد مثَّل هذا التحالف ظاهرة فريدة في توافقه الإجماعي، إذ ضم في كنفه حركات الكفاح المسلح، والقوى المدنية والسياسية، ومنظمات المجتمع المدني، متجاوزاً حد الاختلاف الأدنى إلى أفق التوافق الأرحب. غير أن هذا البناء النهضوي الطموح واجه منذ نشأته إشكالية جوهرية تتصل بهيكلته التنظيمية؛ فكما يقول الفيلسوف الألماني هيغل: "الدستور هو روح الشعب المتجسدة في مؤسساته"، وإذ تفتقد الكتلة الديمقراطية إلى هيكل تنظيمي متكامل يضم مجلساً رئاسياً وأمانات متخصصة، تغدو عاجزة عن وضع السياسات وإجازة البرامج، وتقديم رؤية عملية منهجية تتسق مع مبادئها التأسيسية.
هذه الفجوة التنظيمية أنتجت ظاهرة تستحق التأمل: حضور واجهات تمثل تنظيمات سياسية لا تستند إلى قواعد جماهيرية راسخة، إنما دخلت التحالف كلافتات لا ككيانات عضوية. والأخطر من ذلك أن هذه المكونات — التي يزيد عددها على خمسة عشر — لا يملك حق القرار الفاعل فيها سوى ثلاثة أو خمسة مكونات تمتلك حق "الفيتو"، وكثير من ممثليها لا يعبرون عن قرار مكوناتهم الأساسية، بل يمثلون وجهات نظر فردية. وهكذا نجد أنفسنا أمام تحالف فوقي لا تستند قراراته إلى جذور متينة من عضويته، بل تُصنع في أروقة ضيقة ثم تُفرض على باقي المكونات، مما يجعل جل أعضاء التحالف خارج دائرة المعرفة الحقيقية بما يجري.
يقول ابن خلدون في مقدمته: "الظفر بالحقائق إنما يكون بالاجتماع والتعاون". لكن كيف يتحقق هذا الظفر إذا كانت القرارات تتخذ دون مشاورة القطاعات التنظيمية والسياسية؟ لقد أصاب التحالف الضعف والوهن لأنه صار يعمل بردود أفعال، لا برؤية استراتيجية شاملة. والمؤسسات الأمنية للدولة — بحكم طبيعتها — تريد أطرافاً ضعيفة يمكن التعامل معها بما يتوافق مع رؤيتها الخاصة، لا شركاء أقوياء يشاركون في صناعة المستقبل. ويزداد المشهد تعقيداً عندما نعلم أن تعديل الوثيقة الدستورية تم دون مشاورة حقيقية لمكونات التحالف، بل إن الكتلة قدمت رؤية حول تكوين البرلمان جاءت هزيلة لا تتوافق مع التعديلات الدستورية، مما يؤكد غياب الرؤية الأفقية والسياسية والقانونية، وصياغة المواقف بشكل عاجل فردي دون الرجوع إلى المكونات الأساسية لأخذ المشورة.
"الوطن أكبر من أن يكون حبيس أهواء أفراد تسلقوا العمل السياسي عبر شبابيك لا أبواب" — هذه المقولة المستلهمة من واقع الحال تصف بدقة واحدة من أعمق أزمات التحالفات السياسية بعد الثورة: عدم التوافق على هيكلة تنظيمية تجعل للمكونات مرجعية واضحة، وتنتشلها من الفردانية المقيتة التي تفتك بالعمل الجماعي. ولقد كانت هذه الإشكالية أحد الأسباب التي سهلت اختطاف الثورة واندلاع الحرب التي دمرت كل شيء وخلّفت انتهاكات جسيمة. فتحالف قوى الحرية والتغيير بعد الثورة عانى هو الآخر من غياب هيكل تنظيمي واضح يضم مجلساً رئاسياً وأمانات متخصصة تضع السياسات وتكون له مرجعية تنظيمية تخصصية بعيداً عن الفردانية، مما سهّل سرقة الثورة واندلاع الحرب.
لقد آن الأوان لتقييم شامل للتحالف عبر آليات شفافة، يكون معيار الدخول فيها هو البرامج والشرعية التنظيمية، لا حق النقض الفردي والعلاقات الشخصية. فكم من واجهة سياسية تقدمت بطلبات عضوية، لكنها قوبلت بالرفض لمجرد عدم دعمها لشخص بعينه! وهناك من يرى أن له الكلمة العليا في كل شيء، متنكراً لمن سواه. يقول الفيلسوف كانط: "تصرف دائماً بحيث تجعل إرادتك مصدراً لشرع عام". وهذا يقتضي من رؤساء المكونات إعادة النظر في ممثليهم داخل التحالف، لتكون المرجعية تنظيمية لا فردية، بعيداً عن المجاملات التي أضعفت البنية الداخلية. فالشعب الذي يحمل هموم الوطن في معركة الكرامة، لن يظل صامتاً إزاء هرطقات غياب الرؤية واضطراب البوصلة.
وإذا كان غوستاف لوبون قد قال: "إن للشعور الجمعي قدرة عجيبة على ترميم ما تفسده النزعات الفردية"، فإن الكتلة الديمقراطية تبقى محملة بوعدها التأسيسي، رهينة بقدرتها على التحول من تحالف فوقي لا جذور له، إلى كيان عضوي تمتد جذوره في عمق القاعدة الجماهيرية. فإما أن تعيد النظر في بنيتها وهياكلها وآليات عملها، وإما أن تترك المجال لتلك الجماهير أن تقول كلمتها الفاصلة، حين يصبح الصمت على تشتت الرؤية خيانة للوطن الذي يتسع للجميع، لكنه لا يحتمل أن يظل حبيس أهواء القلة...
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة