السودان بين مخالب الإمارات ورياح التدخلات الإقليمية: قراءة في المشهد الأمني ومستقبل السلم الاجتماعي
بقلم :ادم ابكر عسي الباحث في الشؤون السياسية والأمنية
مقدمة: حين تصبح السيادة مجرد حبر على ورق
"الحرية كالشمس لا تستتر بمنخل" — مثل سوداني
يقف السودان اليوم عند مفترق طرق مصيري، حيث تتداخل مؤامرات الخارج مع صراعات الداخل في مشهد أشبه بلوحة تشكيلية لا تكتفي بالتعقيد، بل تدفع ثمنها دماء الأبرياء وتمزيق النسيج الاجتماعي. فما يجري على أرض السودان لم يعد مجرد حرب أهلية بين جيش وطني ومليشيا متمردة، بل تحول إلى ساحة مفتوحة لصراع إقليمي ودولي، تتصدره الإمارات كطامع رئيسي في ذهب السودان وخيراته، عبر مشروع استعماري جديد يلبس ثوب الاستثمار ويتخفى وراء مليشيات الدعم السريع .
أولاً: الواقع الأمني — معركة الكرامة في مواجهة مشروع التبعية
تحليل الموقف: من مستريحة إلى كمبالا
الهجوم الأخير على "مستريحة"، معقل الزعيم القبلي موسى هلال الذي أعلن انحيازه للقوات المسلحة، لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل يحمل دلالات عميقة على تحول الصراع من مواجهة عسكرية إلى حرب قبلية ممنهجة. فاستهداف "الأب الروحي للجنجويد" سابقاً والذي تحول إلى صف الوطنيين، يكشف عن حالة التفكك التي بدأت تضرب بنية المليشيا من الداخل .
"إذا تشاجر اللصوص انكشف حالهم" — مثل سوداني
في هذا السياق، يمكن فهم تحركات حميدتي نحو كمبالا وتأسيس ما يسمى بـ"حكومة السلام الانتقالية" كمحاولة يائسة لشرعنة كيانه المليشاوي بعد أن بدأ يتآكل من الداخل. زيارة وفد الدعم السريع إلى أوغندا برئاسة قائد المليشيا تمثل طعنة جديدة في سيادة السودان، وتجاهلاً صارخاً لقرارات البيت الأفريقي والأمم المتحدة التي لا تعترف سوى بالحكومة الشرعية برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان .
بيان الخارجية السودانية: موقف سيادي في زمن التشرذم
كان رفض وزارة الخارجية السودانية لهذه الخطوة بمثابة إعادة تأكيد على مبدأ أساسي في القانون الدولي: عدم شرعية أي كيان ينشأ عن قوة قهرية أو تدخل خارجي. فالاعتراف بحكومة مليشيا ارتكبت جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان يفتح الباب أمام فوضى قانونية لا تهدد السودان فحسب، بل تمتد لتقوض مبدأ السيادة ذاته في النظام الدولي .
تكشف التقارير المتقاطعة عن الدور الإماراتي كممول رئيسي وداعم لوجستي لمليشيات الدعم السريع. فوفقاً لتقديرات موثقة، يتم تهريب نحو 90% من إنتاج الذهب السوداني إلى الإمارات، حيث تغسل عائداته وتستخدم لتمويل الحرب وشراء الأسلحة. إنه مشروع استعماري بامتياز: السيطرة على ذهب السودان، وتحويل أراضيه الزراعية إلى مزرعة خلفية لتأمين الغذاء، والاستحواذ على موانئ البحر الأحمر، وإقامة "دولة تابعة" تدين بالولاء لأبوظبي .
قال المتنبي: "وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِباراً *** تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ"
لكن الأجسام هنا ليست سوى أجساد السودانيين التي تدفع ثمن أطماع لا تعرف الشبع.
مرتزقة من قارات ودول : تدويل المليشيا
ما يجري على الأرض السودانية يتجاوز كونه حرباً أهلية، إذ تؤكد المعلومات توافد مرتزقة من كولومبيا ونيجيريا وجنوب السودان وتشاد وإثيوبيا وليبيا للقتال في صفوف الدعم السريع. هذا التدويل الخطير للصراع يحوله إلى بؤرة جذب للجماعات الإرهابية والشبكات الإجرامية العابرة للحدود .
وتشير تقارير موثقة إلى وجود معسكرات تدريب للمليشيات في إثيوبيا، حيث يتلقى عناصر الدعم السريع تدريبات متقدمة على الطيران المسير، في انتهاك سافر للقانون الدولي ولحرمة الحدود بين الدول الشقيقة .
ليبيا: حفتر وحسابات الربح والخسارة
ظل اللواء الليبي خليفة حفتر طوال سنوات يوفر الإمداد والدعم اللوجستي للمليشيات، مستغلاً الحدود الرخوة بين البلدين. لكن المتغيرات الميدانية الأخيرة وتقدم القوات المسلحة السودانية بدأت تعيد تشكيل حساباته، خاصة مع إغلاق تشاد حدودها مع السودان احترازياً.
ثالثاً: دول الجوار — بين الهشاشة والمصالح المتضاربة
جنوب السودان: الدولة الهشة في مرمى النيران
تمثل الحدود الممتدة بين السودان وجنوب السودان (أكثر من 2000 كلم) تحديًا أمنياً فريداً. فوجود قوات من أبناء جنوب السودان يقاتلون كمرتزقة ضمن "عربان الشتات" ينذر بكارثة مزدوجة: توريط الدولة الفتية في صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل، وإعادة إنتاج العداوات القديمة التي مزقت المنطقة لعقود .
تعاني جوبا من هشاشة أمنية مركبة، وتواجه خطر تحول أراضيها إلى منصة انطلاق للهجمات أو ملاذ آمن للمقاتلين الفارين. التقارب الأخير بين حميدتي وبعض الأطراف في جنوب السودان، خاصة بعد حادثة خط أنابيب النفط، يهدد بجر هذا البلد إلى مستنقع الصراع السوداني .
أثيوبيا: الدعم الخفي ومعسكرات التدريب
رغم العلاقات التاريخية المعقدة بين البلدين، فإن التقارير الاستخبارية تؤكد وجود معسكرات تدريب للمليشيات على الأراضي الإثيوبية. وقد سبق للدعم السريع أن أوفد مجموعة للتدريب على سلاح الطيران في إثيوبيا عام 2022، فيما يكشف عن تنسيق سابق وخفي يهدد الأمن القومي للبلدين معاً .
تشاد وليبيا: الحدود الملتهبة
إغلاق تشاد حدودها مع السودان خطوة مفهومة في سياق حماية أمنها القومي، خاصة مع وجود تجمعات قبلية ممتدة بين البلدين. لكن هذا الإغلاق يزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية ويدفع بعجلة التهريب والتدفقات غير الشرعية إلى مسارات أكثر خطورة .
رابعاً: السلم الاجتماعي — الجرح الغائر في جسد الأمة
من الحرب الأهلية إلى القطيعة المجتمعية
تحذير المفكر السوداني محمود زين العابدين من أن "السلم الاجتماعي لم يعد رفاهية بل ضرورة وجودية" يجد صداه في واقع متشظٍ، حيث أصبح العنف العرقي والقبلي سمة بارزة في الصراع . إن الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة بين جيش ومليشيا، بل تخلق قطيعة اجتماعية قد تستغرق أجيالاً لترميمها.
"الجرح اللي ما ينزف ما يبرا" — مثل سوداني
هجوم مستريحة: رسالة إلى مشايخ القبائل
هجوم مليشيا الدعم السريع على مستريحة، معقل موسى هلال بعد إعلان انحيازه للقوات المسلحة، يحمل رسالة دموية لكل زعيم قبلي يفكر في الاصطفاف مع المشروع الوطني: مصيرك سيكون كمن سبقك. لكن هذه الرسالة قد تأتي بنتائج عكسية، حيث تدفع القيادات القبلية إلى التمترس خلف خيارات متطرفة، وتعمق الاستقطاب داخل المجتمعات المحلية .
التحديات الثلاثة للسلم الاجتماعي
يواجه النسيج الاجتماعي السوداني تحديات ثلاثية:
أولاً: تفكك الدولة ومؤسساتها — فغياب الدولة يخلق فراغاً تملؤه العصبيات الضيقة والولاءات الفرعية.
ثانياً: خطاب الكراهية الممنهج — الذي تروج له أطراف النزاع عبر منصات الإعلام الجديد، مستهدفة تفتيت الهوية الوطنية لصالح هويات قبلية وعرقية.
ثالثاً: استمرار تدفق السلاح والمقاتلين — من دول الجوار، مما يطيل أمد الصراع ويحول دون تحقيق مصالحات مجتمعية حقيقية .
خامساً: مستقبل ما بعد الحرب — هل من أمل في الأفق؟
الدولة بين خيارين: استعادة الاحتكار أو التفكك النهائي
"اللي ما يعرف يختار، ما ينفعوش مشوار" — مثل سوداني
تقف النخبة السودانية اليوم أمام مفترق طرق مصيري: إما الاتفاق على مشروع وطني جامع يستعيد احتكار الدولة للقوة ويعيد بناء مؤسساتها على أسس جديدة، أو الانزلاق نحو سيناريو التقسيع بحكم الأمر الواقع، حيث تتحول مناطق سيطرة المليشيا إلى كيانات مستقلة تدين بالولاء لقوى خارجية .
مبادئ التأسيس للسلم الاجتماعي المنشود
بناء سلم اجتماعي مستدام في مرحلة ما بعد الحرب يتطلب العمل على أربعة مستويات:
1- المستوى القانوني: محاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وإنشاء آليات للعدالة الانتقالية تمزج بين المحاسبة والمصالحة.
2- المستوى المؤسسي: بناء جيش وطني مهني واحد يعكس تنوع السودان، بدلاً من جيوش موازية تخدم مصالح ضيقة.
3- المستوى الاقتصادي: توزيع عادل للثروة، خاصة في مناطق النزاع (دارفور، كردفان، النيل الأزرق)، وكسر احتكار النخب للموارد.
4- المستوى الثقافي: إطلاق حملات وطنية لنبذ خطاب الكراهية، وإعادة كتابة الرواية الوطنية الجامعة .
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول (المتفائل): تحقيق تقدم عسكري حاسم للقوات المسلحة، يتبعها تسوية سياسية شاملة تشارك فيها كل القوى الوطنية، مع ضغوط دولية حقيقية لوقف التدخلات الخارجية.
السيناريو الثاني (المتوسط): استمرار حالة "اللا حرب واللا سلام"، حيث تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف مفتوحة مع تجميد للجبهات الرئيسية، واستمرار المعاناة الإنسانية.
السيناريو الثالث (المتشائم): انهيار الدولة فعلياً وتقسيم السودان إلى كانتونات متناحرة، تتحكم فيها مليشيات موالية لقوى إقليمية، فيما يتحول البلد إلى صومال جديد في قلب أفريقيا .
خاتمة: السودان بين أنياب الذئاب ومسؤولية النخبة
"العيب مش في الذيب، العيب في اللي جابه للغابة" — مثل سوداني
تكشف هذه القراءة التحليلية أن ما يجري في السودان ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة حتمية لتراكمات عقود من سوء الإدارة، وتدخلات خارجية لا تتورع عن استخدام كل الوسائل لتحقيق مكاسبها على حساب دماء الأبرياء.
إن الإمارات، التي تقدم نفسها كشريك دولي مسئول، تقف خلف مشروع تدمير الدولة السودانية عبر ذراعها المليشاوية، في استمرار لنمط استعماري جديد يلبس ثوب الاستثمار ويتخفى وراء شعارات التنمية .
لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تدفع ثمن حريتها بدمائها لا يمكن إخضاعها طويلاً. فالسودان، بتاريخه وموقعه وثرواته، أكبر من أن يبتلعه طامع، وأغنى بتنوعه من أن يهزمه مشروع تفتيتي.
يبقى الرهان الحقيقي على القوى الوطنية الحية: داخل المؤسسة العسكرية، وفي أوساط الشباب الثائر، وبين قيادات المجتمع المدني التي لم تبع ضميرها. هؤلاء وحدهم قادرون على تحويل مأساة الحرب إلى فرصة لبناء دولة جديدة، تتجاوز مثالب الماضي وتستوعب دروس الحاضر.
كما قال ناظم حكمت: "أجمل البحار هو البحر الذي لم نبحر فيه بعد"
فأجمل سودان هو ذاك الذي ينتظرنا بعد نهاية هذه المحنة، بشرط أن نتعلم من أخطائنا، وأن نتمسك بوحدتنا، وأن نرفض أن نكون مجرد وقود في صراعات لا تخصنا.
حفظ الله السودان أرضاً وشعباً، ونصر قواته المسلحة في معركة الكرامة ضد قوى الظلام والتبعية.
---
المراجع:
1 المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي — سمنار تعزيز السلم الاجتماعي في السودان، بورتسودان، يناير 2026 2.تقرير الجزيرة — السودان بين نيران الحرب وإعادة رسم الخرائط الإقليمية، فبراير 2026 3 مركز مجلس الشرق الأوسط — بعد عامين على اندلاع حرب السودان... لا بوادر على نهايتها 4 مداميك — السودان 2026: عام الاحتمالات المفتوحة 5.إمارات ليكس — الذهب والخبز والموانئ: كيف تحوّل السودان إلى رهينة لمطامع الإمارات؟ 6.أخبار الأمم المتحدة — كيف تؤثر الحرب في السودان على دول الجوار؟ 7 يوسف حسين نور — هل يدخل نموذج المليشيا مرحلة التفكك الذاتي؟ (قراءة في الصراع بين موسى هلال وحميدتي)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة